قلت : جملة ( يسعى ) : حال من ( رجل ) ؛ لأنه وصف بالجار.
وجاء رجلٌ من أقصى المدينة ؛ من آخرها، واسمه :" حزقيل بن حبورا "، مؤمن آل فرعون، وكان ابن عم فرعون، يسعى : يُسرع في مشيه، أو : يمشي على رجله، قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ، أي : يتشاورون في قتلك، ويأمر بعضهم بعضاً بذلك. والائتمار : التشاور، فاخْرجْ من المدينة، إني لك من الناصحين ، فاللام في ( لك ) : للبيان، وليس بصلة ؛ لأن الصلة لا تتقدم على الموصول، إلا أن يُتَسَامحَ في المجرور.
وفيها أيضاً دليل على أن المعصية قد تكون سبباً في نيل الخصوصية، كأكل آدم من الشجرة، كان سبباً في نيل الخلافة، وعُمْرَةِ الأرض، وما نشأ من صُلبه من الأنبياء والأولياء وجهابذة العلماء، وكقتل موسى عليه السلام نفساً لم يُؤمر بقتلها، كان سبباً في خروجه للتربية عند شعيب عليه السلام، وتهيئته للنبوة والرسالة والاصطفائية، فكل ما يُوجب التواضع والانكسار يورث التقريب عند الملك الغفار، والحاصل : أن من سبقت له العناية، ونال من الأزل مقام المحبوبية ؛ صارت مساوئه محاسن، ومن سبق له العكس صارت محاسنه مساوئ. اللهم اجعل سيئاتنا سيئات من أحببت، ولا تجعل حسناتنا حسنات من أبغضت. وفي الحديث :" إذا أحب الله عبداً لم يضره ذنب(١) ".
قال في القوت : واعلم أن مسامحة، الله عز وجل لأوليائه - يعني : في هفواتهم - في ثلاث مقامات : أن يقيمه مَقَامَ حَبيبٍ صَديقٍ، لِمَا سبق من قدم صدق، فلا تنقصه الذنوب ؛ لأنه حبيب. المقام الثاني : أن يقيمه مقام الحياء منه، بإجلال وتعظيم، فيسمح له، وتصغر ذنوبه ؛ للإجلال والمنزلة، ولا يمكن كشف هذا المقام، إلا أنَّا روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه ذكر طائفة فقال :" يدفع عنهم مساوئ أعمالهم بمحاسن أعمالهم ". المقام الثالث : أن يقيمه مقام الحزن والانكسار، والاعتراف بالذنب والإكثار، فإذا نظر حزنه وهمه، ورأى اعترافه وغمه، غفر له ؛ حياء منه ورحمة. هـ. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي