ولما وقعت هذه الواقعة وخرجت من طي الكتمان، وشاع أمرها بين الناس، وتردد اسم موسى بصفته مسؤولا عنها، هم آل فرعون بمؤاخذته عليها وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين ، والرجل الذي اطلع على هذا السر من مصدره، وتحمل مشقة الانتقال للإفضاء به إلى موسى في غفلة عن الأنظار، وسباق مع الذين يتعقبون موسى، من زبانية فرعون الأشرار، حتى يخبره الخبر، فيبادر بمغادرة مصر قبل أن تمتد إليه أيديهم، هو فيما ذهب إليه أكثر المفسرين، " مؤمن آل فرعون " نفسه، الذي لم يكن على دين فرعون رغما عن كونه ابن عمه، والذي كان على ملة يوسف قبل أن يتنبأ موسى ويؤمن به. والوصف " بالرجولة " و " الفتوة " لا يلقيه كتاب الله جزافا، وإنما يصف به أصحاب المواقف الحاسمة في نصرة الحق والجهر به والدفاع عنه، والتمسك بحبله والثبات عليه، من أولي العزم الصادقين.
فمن الوصف " بالفتوة " التي هي كمال الصفات في الفتى، قوله تعالى في شأن إبراهيم : قالوا سمعنا فتى يذكرهم [ الأنبياء : ٦٠ ]، وقوله تعالى في شأن أهل الكهف : إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى [ الآية : ١٣ ].
ومن الوصف " بالرجولة " التي هي كمال الصفات في الرجل قوله تعالى : فيه رجال يحبون أن يتطهروا [ التوبة : ١٠٨ ]، وقوله تعالى : رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله [ النور : ٣٧ ]، وقوله تعالى هنا : وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى ، على غرار ما سيأتي في سورة يس : وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى، قال ياقوم اتبعوا المرسلين، اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون [ الآيتان : ٢٠، ٢١ ]، وفي سورة غافر : وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم [ الآية : ٢٨ ].
ومعنى يأتمرون بك يتشاورون في شأنك، والائتمار في الأصل التشاور، لأن من يحضر جمعا من هذا النوع لا يخلو من أن يشير على الآخرين بأمر من الأمور، في الوقت الذي يشير فيه الآخرون عليه بأمر آخر، ومن ذلك قوله تعالى في آية أخرى : واتمروا بينكم بمعروف [ الطلاق : ٦ ] أي ليأمر بعضكم بعضا بالمعروف لا بالمنكر.
وكما دبر أعداء موسى مؤامرة للتخلص منه قبل فوات الأوان، لأنه اشتهر عنه من قبل أن ينبأ تسفيه عقائدهم الباطلة التي ليس عليها دليل ولا برهان، وتجريح تصرفاتهم الجائرة القائمة على الظلم والطغيان، فقد دبر أعداء الرسالة الإلهية التي جاء بها خاتم الأنبياء والمرسلين لرسوله الأمين، نفس المؤامرة، وعنها تحدث كتاب الله في سورة الأنفال فقال تعالى : وإذ يمكر الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك، ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين [ الآية : ٣٠ ].
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري