ثم ذكر رجوع موسى إلى مصر، فقال :
فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُواْ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّيا آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسَى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ * اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُواءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ
يقول الحق جل جلاله : فلما قضى موسى الأجلَ ، قال صلى الله عليه وسلم :" قضى أبعدهما وأطيبهما(١) "، وفي رواية :" أبرهما وأوفاهما " وسارَ بأهله أي : امرأته، نحو مصر، قال مجاهد : ثم استأذن موسى أن يزور أهله بمصر، فأذن له، فسار بأهله إلى البَرِّيَّةِ، فأوى إلى جانب الطور الغربي الأيمن، في ليلة مظلمة شديدة البرد، وكان أخذ على غير طريق، يخاف ملوك الشام - قلت : ولعلهم كانوا من تحت يد فرعون - فأخذ امْرَأَتَهُ الطَّلقُ، فقدح زنده، فلم يور، فآنس من جانب الطور ناراً. ه.
وقال ابن عطاء : لما تم أجل المحنة، ودنت أيام الزلفة، وظهرت أنوار النبوة، سار بأهله ؛ ليشتركوا معه في لطائف صنع ربه. ه. آنس أي : أبصر من جانب الطُور أي : من الجهة التي تِلْوَ الطورِ ناراً قال لأهله امكثوا إني آنستُ ناراً لعلي آتيكم منها بخبر عن الطريق ؛ لأنه كان ضل عنها، أو جذوة من النار أي : قطعة وشُعلة منها، والجُذوة - مثلثة الجيم : العُود الذي احترق بعضه، وجمعه :" جِذّى ". لعلكم تصطلون ؛ تستدفئون بها. والاصطلاء على النار سُنَّة المتواضعين. وفي بعض الأخبار :" اصطلوا ؛ فإن الجبابرة لا يصطلون ".
وقوله تعالى : من الشجرة ؛ أي : نودي منها حقيقة ؛ إذ ليس في الوجود إلا تجليات الحق ومظاهره، فيكلم عباده من حيث شاء منها. قال في العوارف : الصوفي ؛ لتجرده، يشهد التالي كشجرة موسى، حيث أسمعه الله خطابه منها، بأني أنا الله لا إله إلا أنا. هـ. فأهل التوحيد الخاص لا يسمعون إلا من الله، بلا واسطة، قد سقطت الوسائط في حقهم، حين غرقوا في بحر شهود الذات، فافهم. وقال في القوت : كانت الشجرة وجهة موسى عليه السلام، كلمة الله عز وجل منها، كما قال بعضهم : إن قوله تعالى : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ [ الأعراف : ١٠٧، والشعراء : ٣٢ ]، أي : بالجبل، كان الجبل من جهة الحس حجاباً لموسى، كشفه الله عنه، فتجلى به، كما قال : من الشجرة ؛ فكانت الشجرة وجهة له عليه السلام هـ، بإيضاح. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي