ﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁ

فلما أتاها نُودي من شاطئ الوادِ الأيمنِ بالنسبة إلى موسى، أي : عين يمين موسى، في البقعة المباركةِ بتكليم الله تعالى فيها، من الشجرة ؛ بدل من " شاطئ " : بَدَلَ اشتمالٍ أي : من ناحية الشجرة، وهو العنَّاب، أو العوسج، أو : سمرة. وقال وهب : عُليقاً. أن يا موسى . أي : يا موسى، أو : إنه يا موسى إني أنا الله ربُّ العالمين ، قال البيضاوي : هذا، وإن خالف ما في " طه " و " النمل " ؛ لفظاً، فهو طبْقُهُ في المقصود. ه.
قال جعفر الصادق : أبصر ناراً، دلته على الأنوار ؛ لأنه رأى النور على هيئة النار، فلما دنا منها ؛ شملته أنوار القدس، وأحاطت به جلابيب الأنس، فخاطبه الله بألطف خطاب، واستدعى منه أحسن جواب، فصار بذلك مُكَلَّماً شريفاً، أُعْطِيَ ما سأل، وأمن ممن خاف. ه.
قال القشيري : فكان موسى عند الشجرة، والنداء من الله لا منها، وقد حصل الإجماع أن موسى، تلك الليلة، سمع كلام الله، ولو كان النداء من الشجرة ؛ لكانت المتكلمة هي، فلأجل الإجماع قلنا : لم يكن النداء منها، وإلا فنحن نجوز أن يخلق الله نداء في الشجرة. ه. قلت : وسيأتي في الإشارة ما لأهل التوحيد الخاص، وما قاله - هو مذهب أهل الظاهر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : قد تقدم في سورة " طه " ١ بعض إشارتها. ويؤخذ من الآية أن تزوج المريد، بعد كمال تربيته، كمال، وأما قبل كماله : فإن كان بإذن شيخه ؛ فلا يضره. وربما يتربى له اليقين أكثر من غيره. وقوله تعالى : وسار بأهله ؛ قال الورتجبي : افهم أن مواقيت الأنبياء والأولياء وقت سير الأسرار من بدء الإرادة إلى عالم الأنوار. هـ. وقوله تعالى : آنست ناراً ؛ قال الورتجبي : الحكمة في ذلك : أن طبع الإنسانية يميل إلى الأشياء المعهودة، لذلك تجلى النور في النار ؛ لاستئناسه بلباس الاستئناس، ولا تخلوا النار من الاستئناس، خاصة في الشتاء، وكان شتاءً، فتجلى الحق بالنور في لباس النار ؛ لأنه كان في طلب النار، فأخذ الحق مراده، وتجلى مِنْ حَيْثُ إِرَادَته، وهو سنة الله تعالى. هـ.
وقوله تعالى : من الشجرة ؛ أي : نودي منها حقيقة ؛ إذ ليس في الوجود إلا تجليات الحق ومظاهره، فيكلم عباده من حيث شاء منها. قال في العوارف : الصوفي ؛ لتجرده، يشهد التالي كشجرة موسى، حيث أسمعه الله خطابه منها، بأني أنا الله لا إله إلا أنا. هـ. فأهل التوحيد الخاص لا يسمعون إلا من الله، بلا واسطة، قد سقطت الوسائط في حقهم، حين غرقوا في بحر شهود الذات، فافهم. وقال في القوت : كانت الشجرة وجهة موسى عليه السلام، كلمة الله عز وجل منها، كما قال بعضهم : إن قوله تعالى : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ [ الأعراف : ١٠٧، والشعراء : ٣٢ ]، أي : بالجبل، كان الجبل من جهة الحس حجاباً لموسى، كشفه الله عنه، فتجلى به، كما قال : من الشجرة ؛ فكانت الشجرة وجهة له عليه السلام هـ، بإيضاح. والله تعالى أعلم.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير