ﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢ

تفسير المفردات : علا : تجبر واستكبر، شيعا : أي فرقا يستخدم كل صنف في عمل من بناء وحفر وحرث إلى نحو ذلك من الأعمال الشاقة، ويغري بينهم العداوة والبغضاء، حتى لا يتفقوا، يستضعف : أي يجعلهم ضعفاء مقهورين، والطائفة هنا هم بنو إسرائيل.
الإيضاح : إن فرعون علا في الأرض أي إن فرعون تجبر في مصر وقهر أهلها وجاوز الغاية في الظلم والعدوان وساس البلاد سياسة غاشمة.
ومما مكن له في ذلك ما بينه الله سبحانه بقوله :
وجعل أهلها شيعا أي وفرقهم فرقا مختلفة، وأحزابا متعددة، وأغرى بينهم العداوة والبغضاء، كيلا يتفقوا على أمر ولا يجمعوا على رأي، ويشتغل بعضهم بالكيد لبعض، وبذا يلين له قيادهم، ولا يصعب عليه خضوعهم واستسلامهم، وتلك هي سياسة الدول الكبرى في العصر الحاضر، وذلك هو دستورها في حكمها لمستعمراتها وقد نقش حكامها في صدورهم ذلك الدستور الذي ساروا عليه " فرق تسد " وطالما أجدى عليهم في سياسة تلك البلاد، التي يعمها الجهل ويطغى على أهلها حب الظهور. ويرضون بالنّفاية والقشور.
رحماك، اللهم رحماك، بسطت لعبادك سنتك في الأكوان، وأبنت لهم طبيعة الإنسان، وأنه محب للظلم والعدوان.

والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم
يستضعف طائفة منهم أي يجعل جماعة منهم أذلاء مقهورين، يسومهم الخسف، ويعاملهم بالعسف، وهم بنو إسرائيل.
ثم فسر هذا الاستضعاف بقوله :
يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم أي يذبح أبناءهم حين الولادة، وقد وكل بذلك عيونا تتجسس، فكلما ولدت امرأة منهم ذكرا ذبحوه، ويستبقي إناثهم، لأنه كان يتوجس خيفة من الذكران الذين يتمرسون الصناعات، وبأيديهم زمام المال، فإذا طال بهم الأمد استولوا على المرافق العامة، وغلبوا المصريين عليها والغلب الاقتصادي في بلد ما أشد وقعا وأعظم أثرا في أهلها من الغلب الاستعماري، ومن ثم لم يشأ أن يقتل النساء.
روى السّدّي أن فرعون رأى في منامه أن نارا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتعلت على بيوت مصر فأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل فسأل علماء قومه، فأخبره الكهنة أنه سيخرج من هذا البلد رجل يكون هلاك مصر على يديه، فأخذ يفعل ما قص علينا الكتاب الكريم.
قال الزجاج : والعجب من حمق فرعون، فإن الكاهن الذي أخبره بذلك إن كان صادقا عنده فما ينفع القتل، وإن كان كاذبا فلا داعي للقتل. ا ه.
ولا يعنينا من أمر هذه الرواية شيء فسواء صحت أو لم تصح، فإن السر المعقول ما قصصناه عليك أولا.
ثم علل اجتراحه لتلك الجرائم، وإزهاقه للأرواح البريئة بقوله :
إنه كان من المفسدين ومن ثم سولت له نفسه أن يفعل ما فعل من تلك الفظائع، وقتل سلائل الأنبياء بلا جريمة ارتكبوها، ولا ذنب جنوه، وقد كانت هناك وسائل عديدة ليصل بها إلى اتقاء شرور اليهود بحسب ما يزعم، وكان له فيها غنية عن سفك الدماء، ولكن قساة القلوب غلاظ الأكباد تتوق نفوسهم إلى الولوغ في الدم، ويجعلونه الترياق الشافي لحزازات نفوسهم، وسخائم أفئدتهم.
ثم ذكر سبحانه ما أكرم به هذه الأمة وما أتاح لها من السلطان الديني والدنيوي، فتأسست لهم دولة عظيمة في بلاد الشام، وصاروا يتصرفون في أرض مصر كما شاؤوا فقال : ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض .

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير