ﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽ

الحق – سبحانه وتعالى – يريد أن يعلمنا أن الذي يريد دينا حقا لابد أن ينظر إلى دين يأتي بعده بمعجزة، لأنه إذا كان قد آمن حين جاء عيسى بأنه جاء بعد موسى – عليه السلام – فلا يستبعد عقلا أن يجيء بعد عيسى رسول، فوجب عليه أن يبحث في الدين الجديد، وأن ينظر أدلة تبرر له إيمانه بهذا الدين.
هنا إذا كان الدين الأول لم يتبدل، فإذا كان الدين الأول قد تبدل، فالمسألة واضحة ؛ لأن التبديل يحدث فجوة عند من يريد دينا الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة.. ١٥٧ [ الأعراف ]
آمنوا به ؛ لأنهم وجدوا نعته، ووجدوا العقائد التي لا تتغير موجودة في كتابة، وهو أمي لم يعرف شيئا من هذا، فأخذوا من أميته دليلا على صدقه.
فقوله تعالى أولئك.. ٥٤ [ القصص ]أي : أهل الكتاب الذين يؤمنون بالقرآن وهم خاشعون لله، والذين سبق وصفهم أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا.. ٥٤ [ القصص ] أجر لإيمانهم برسلهم، وأجر لإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم.
لذلك جاء في الحديث الشريف :( ( ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين : رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم آمن بي، وعبد مملوك أدى حق الله وأدى حق أوليائه، ورجل عنده أمة – جارية – فأدبها فأحسن تأديبها، فأعتقها بعد ذلك، ثم تزوجها ) )١.
وهؤلاء الذين آمنوا برسلهم، ثم آمنوا برسول الله استحقوا هذه المنزلة، ونالوا هذين الأجرين لأنهم تعرضوا للإيذاء ممن لم يؤمن في الإيمان الأول، ثم تعرضوا للإيذاء في الإيمان الثاني، فصبروا على الإيذاءين، هذه هي حيثية يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا.. ٥٤ [ القصص ]
وكما أن الله تعالى يؤتي أهل الكتاب الذين آمنوا بمحمد أجرهم مرتين، كذلك يؤتي بعض المسلمين أجرهم مرتين، ومنهم- كما بين سيدنا رسول الله :( ( عبد مملوك أدى حق الله، وأدى حق أوليائه، ورجل عنده أمة... ) ).
ولا يحرم هذا الأجر الدين الذي باشر الإسلام، وأتى قبله، وهو المسيحية، فلهم ذلك أيضا ؛ لذلك يقول تعالى :
لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس.. ٢٥ [ الحديد ]
وأهم هذه المنافع وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب.. ٢٥ [ الحديد ] وذكر الحديد، لأن منه سيصنع سلاح الحرب.
إذن : أنزل الله القرآن لمهمة، وأنزل الحديد لمهمة أخرى ؛ لذلك يقول الشاعر :
فما هو إلا الوحي أو حد مرهف***يقيم ظباه٢ أخدعى٣ كل مائل
فهذا دواء الداء من كل عاقل وذاك دواء الداء من كل جاهل
ولي أنا شخصيا ذكريات ومواقف مع هذه الآية أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا.. ٥٤ [ القصص ] وقد كنا في بلد بها بعض من إخواننا المسيحين، وكان من بينهم رجل ذو عقل وفكر، كان دائما يواسي المسلمين، ويحضر مآتمهم ويستمع للقرآن، وكانت تعلق بذهنه بعض الآيات، فجاءني مرة يقول : سمعت المقرىء يقرأ : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين١٠٧ [ الأنبياء ]
فألسنا من العالمين ؟ قلت له : نعم أرسل محمد رحمة للعالمين جميعا، فمن آمن به نالته رحمته، ومن لم يؤمن به حرم منها، ومع ذلك لو نظرت في القرآن نظرة إمعان وتبصر تجد أنه رحم غير المؤمن، قال : كيف ؟ فقرأت له قوله تعالى : إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس.. ١٠٥ [ النساء ] ولم يقل بين المؤمنين بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما١٠٥ [ النساء ]
فمن رحمة الرسول بغير المؤمنين أن ينصف المظلوم منهم، وأن يرد عليه حقه، ثم واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما١٠٦ [ النساء ] لأن الله لا يحب الخوان الأثيم ولو كان مسلما.
ثم ذكرت له سبب نزول هذه الآية٤ وهي قصة الدرع الذي أودعه اليهودي زيد بن السمين أمانة عند طمعة بن أبيرق المسلم، وكان الدرع قد سرق من قتادة بن النعمان، فلما افتقده قتادة ذهب يبحث عنه، وكان قد وضعه في كيس من الدقيق، فتتبع أثر الدقيق حتى ذهب إلى بيت زيد بن السمين اليهودي فاتهمه بسرقته، وأذاع أمره بين الناس، فقص اليهودي ما كان من أمر طمعة بن أبيرق، وأنه أودع الدرع عنده على سبيل الأمانة ؛ لأنه يخشى عليه أن يسرق من بيته.
وهنا أحب المسلمون تبرئة صاحبهم ؛ لأنه حديث عهد بإسلام، وكيف ستكون صورتهم لو شاع بين الناس أن أحدهم يسرق، ومالوا إلى إدانة اليهود، وفعلا عرضوا وجهة نظرهم هذه على رسول الله ليرى فيه حلا يخرجه من هذا المأزق، مع أنهم لا يستبعدون أن يسرق ابن أبيرق٥.
وجلس رسول الله يفكر في هذا الأمر، لكن سرعان ما نزل عليه الوحي، فيقول له : هذه المسألة لا تحتاج إلى تفكير ولا بحث : إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما١٠٥ [ النساء ]
فأدانت الآية ابن أبيرق، ودلت على أن هذه ليست الحادثة الأولى في حقه، ووصفته بأنه خوان أي : كثير الخيانة وبرأت اليهودي، وصححت وجهة نظر المسلمين الذين يخافون من فضيحة المسلم بالسرقة، وغفلوا عن الأثر السيء لو قلبوا الحقائق، وأدانوا اليهودي.
فالآية وإن أدانت المسلم، إلا أنها رفعت شأن الإسلام في نظر الجميع : المسلم واليهودي وكل من عاصر هذه القصة بل وكل من قرأ هذه الآية، ولو انحاز رسول الله وتعصب للمسلم لاهتزت صورة الإسلام في نظر الجميع. ولو حدث هذا ماذا سيكون موقف اليهود الذين يراودهم الإسلام، وقد أسلموا فعلا بعد ما حدث ؟
وما أشبه هذه المسألة بشاهد الزور الذي يسقط أول ما يسقط من نظر صاحبه الذي شهد لصالحه، حتى قالوا : من جعلك موضعا للنقيصة فقد سقطت من نظره، وإن أعنته على أمره، فشاهد الزور يرتفع رأسك على الخصم بشهادته، وتطأ قدمك على كرامته.
وقوله تعالى : ويدرءون بالحسنة السيئة.. ٥٤ [ القصص ] هذه أيضا من خصالهم أن يدفعوا السيئة بالحسنة، فمن صفاتهم العفو والصفح كما قال تعالى : ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور٤٣ [ الشورى ] ومما رزقناهم ينفقون٥٤ [ القصص ]النفقة الواجبة على نفسه وعلى آله، والنفقة الواجبة للفقراء وهي الزكاة، ثم نفقة المورءات للمساكين وأهل الخصاصة.

١ حديث متفق عليه. أخرجه البخاري في صحيحه (٩٧)، وكذا مسلم في صحيحه (١٥٤) كتاب الإيمان من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه بنحوه.
.

٢ الظبة: حد السيف والسنان والنصل والخنجر وما إلى ذلك.[لسان العرب – مادة: ظبا]..
٣ الأخدعان: عرقان في جانبي العنق قد خفيا وبطنا. وقال اللحياني: هما عرقان في الرقبة. [لسان العرب – مادة: خدع]..
٤ أورده الواحدي في أسباب النزول (ص١٠٣) – طبعة المكتبة الثقافية بيروت..
٥ قال ابن حجر العسقلاني في كتاب((الإصابة في تمييز الصحابة)) (٣/٢٨٥) (ترجمة ٤٢٣٨): ((ذكره أبو إسحق المستلمي في الصحابة وقال: شهد المشاهد كلها إلا بدرا.. وقد تكلم في إيمان طعمة))..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير