ثم يقول الحق سبحانه :
{ من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا
يجزي الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعلمون٨٤ }
قلنا : إن كلمة ( خير ) تطلق ويراد بها ما يقابل الشر، كما في قوله تعالى : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره٧ ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره٨ [ الزلزلة ]
وتطلق ويراد بها الأحسن في الخير، تقول : هذا خير من هذا، فكلاهما فيه خير، ومنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير ) )١ فهي بمعنى التفضيل، أي : أخير منها، ومن ذلك قول الشاعر :
زيد خيار الناس***وابن الأخير
فجاء بصيغة التفضيل على الأصل. وتقول : هذا حسن، وذلك أحسن.
فالمعنى هنا : من جاء بالحسنة فله خير منها.. ٨٤ [ القصص ]أي : خير يجيئه من طريقها، أو إذا عمل خيرا أعطاه الله أخير منه وأحسن، والمراد أن الحسنة بعشر أمثالها.
والحق سبحانه يعطينا صورة توضيحية لهذه المسألة، فيقول سبحانه : مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم٢٦١ [ البقرة ]
فقوله تعالى : من جاء بالحسنة.. ٧٤ [ القصص ]قضية عقدية، تثبت وتقرر الثواب للمطيع، والعقاب للعاصي، ومعنى جاء بالحسنة.. ٨٤ [ القصص ] أي : أتى بها حدثا لم يكن موجودا، فحين تفعل أنت الحسنة فقد أوجدتها بما خلق الله فيك من قدرة على الطاعة وطاقة لفعل الخير.
أو المعنى : جاء بالحسنة إلى الله أخيرا لينال ثوابها، ولا مانع أن تتجمع له هذه المجيئات كلها ليقبل بها على الله، فيجازيه بها في الآخرة.
لكن، هل ثواب الحسنة مقصور فقط على الآخرة، أم أن الدين بقضاياه جاء لسعادة الدنيا وسعادة الآخرة ؟ فما دام الدين لسعادة الدارين فللحسنة أثر أيضا في الدنيا، لكن مجموعها يكون لك في الآخرة.
وهذه الآية جاءت بعد الحديث عن قارون، وبعد أن نصحه قومه، وجاء في نصحهم : وأحسن كما أحسن الله إليك.. ٧٧ [ القصص ] إذن : فطلبهم أن يحسن كما أحسن الله إليه جاء في مجال ذكر الحسنة، والحسنة أهي الشيء الذي يستطيبه الإنسان ؟ لا، لأن الإنسان قد يستطيب الشيء ثم يجلب عليه المضرة، وقد يكره الشيء ولا يستطيبه، ويأتي له بالنفع.
فمن إذن الذي يحدد الحسنة والسيئة ؟ ما دام الناس مختلفين في هذه المسألة، فلا يحدده إلا الله تعالى، الذي خلق الناس، ويعلم ما يصلحهم، وهو سبحانه الذي يعلم خصائص الأشياء، ويعلم ما يترتب عليها من آثار، أما الإنسان فقد خلقه الله صالحا للخير، وصالحا للشر، يعمل الحسن، ويعمل القبيح، وربما اختلطت عليه المسائل.
لذلك يقولون في تعريف الحسنة : هي ما حسنه الشرع، لا ما حسنتها أنت، فنحن مثلا نستسيغ بعض الأطعمة، ونجد فيها متعة ولذة، مع أنها مضرة، في حين نأنف مثلا من أكل الطعام المسلوق، مع أنه أفيد وأنفع ؛ لذلك يقول تعالى في صفة الطعام : فكلوه هنيئا مريئا٤ [ النساء ] لأن الطعام قد يكون هنيئا تجد له متعة، لكنه غير مرىء ويسبب لك المتاعب بعد ذلك.
الحق سبحانه يقول هنا : من جاء بالحسنة فله خير منها.. ٨٤ [ القصص ] فالحسنة خير، لكن الثواب عليها خير منها أي : أخير ؛ لأنه عطاء دائم باق لا ينقطع، أو خير يأتيك بسببها. كما يقول أصحاب الألغاز واللعب بالكلمات : محمد خير من ربه، والمعنى : خير يصلنا من الله، ولا داعي لمثل هذه الألغاز طالما تحتمل معنى غير مقبول.
ثم يقول سبحانه : من جاء بالسيئة.. ٨٤ [ القصص ] لم يقل الحق سبحانه : فله أشر منها، قياسا على الحسنة فنضاعف السيئة كما ضاعفنا الحسنة، وهذه المسألة مظهر من مظاهر رحمة الله بخلقه، هذه الرحمة التي تتعدى حتى إلى العصاة من خلقه.
لذلك قال فلا يجزي الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون ٨٤ [ القصص ] أي : على قدرها دون زيادة.
واقرأ إن شئت قوله تعالى في سورة ( عم ) : إن للمتقين مفازا ٣١ حدائق وأعنابا٣٢وكواعب٢أتربا٣٣ وكأسا دهاقا٣٣٤ لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا٣٥ جزاء من ربك عطاء حسابا٣٦ [ النبأ ] فحسابا هنا لا تعني أن الجزاء بحساب على قدر العمل، إنما تعني كافيهم في كل ناحية من نواحي الخير، ومنه قولنا : حسبي الله يعني : كافيني.
وفي المقابل سبحانه في السيئة : جزاء وفاقا ٢٦ [ النبأ ] أي : على قدرها موافقا لها.
إذن : فربنا – عز وجل – يعاملنا بالفضل لا بالعدل ؛ ليغري الناس بفعل الحسنة، وأنت حين تفعل الحسنة فأنت واحد تقدم حسنتك إلى كل الناس، وفي المقابل يعود عليك أثر حسنات الجماهير كلها، فينالك من كل واحد منهم حسنة، كأنه ( أوكازيون ) حسنات يعود عليك أنت.
٢ الكواعب الأتراب: أي فتيات ناضجات متماثلات في السن. وكعب الثدي: برز ونهد يقال للفتاة: كاعب، أي: ذات ثدي بارز. [القاموس القويم ٢/١٦٤]..
٣ الكأس الدهاق: الممتلئة المتتابعة على شاربيها. وقوله تعالى وكأسا دهاقا ٣٤[النبأ] أي: هي الامتلاء الدائم، وهذا كناية عن النعيم الدائم.[القاموس القويم ١/٢٣٤]..
تفسير الشعراوي
الشعراوي