تفسير سورة العنكبوت (١)
١، ٢ - الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا قال الشعبي: لما نزلت آية الهجرة كتب بها المسلمون إلى إخوانهم بمكة، فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق أدركهم المشركون، فردوهم، فأنزل الله: الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ عشر آيات من أول السورة (٢). وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء؛ وقال: يريد بالناس الذين آمنوا بمكة: سلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والوليد ابن الوليد، وعمار بن ياسر، وياسر بن عامر، وسمية أم عمار (٣)،

(١) سورة العنكبوت مكية، يقال: نزلت بين مكة والمدينة في طريق النبي -صلى الله عليه وسلم-، حين هاجر إلى المدينة، وهي تسع وستون آية. "تفسير مقاتل" ٧٠ أ. و"تفسير الثعلبي" ٨/ ١٥٥ أ. وقد ذكر الثعلبي في أولها بإسناده حديث أبي ابن كعب -رضي الله عنه-، في فضل هذه السورة، وكذا فعل الواحدي في "الوسيط" ٣/ ٤١٢، وهو حديث موضوع سبق الحديث عنه في أول سورة الفرقان.
(٢) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٩٥. وابن جرير ٢٠/ ١٢٩، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٣١. وذكره الثعلبي ٨/ ١٥٥ ب، والواحدي "أسباب النزول" ٣٤٠.
(٣) سلمة بن هشام، هو أخو أبي جهل، من السابقين إلى الإسلام، هاجر إلى الحبشة، ثم رجع إلى مكة، فحبسه أخوه وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يدعو له ولعياش بن أبي ربيعة في القنوت، ثم هرب مهاجرًا بعد الخندق، -رضي الله عنه-. "سير أعلام النبلاء" ١/ ٣١٦، "الإصابة في معرفة الصحابة" ٣/ ١٢٠. =

صفحة رقم 485

........................

= - عياش بن أبي ربيعة، اسم أبيه: عمرو بن المغيرة، وكان عياش من السابقين إلى الإسلام، وهاجر الهجرتين، ثم خدعه أبو جهل فرجع إلى مكه، ثم فرَّ مع رفيقيه، الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعاش إلى خلافة عمر -رضي الله عنه-، فمات سنة: خمس عشرة، وقيل: قبل ذلك. وقيل: استشهد في اليمامة، وقيل: اليرموك. "فتح الباري" ٨/ ٢٢٧، و"الإصابة" ٥/ ٤٧. و"سير أعلام النبلاء" ١/ ٣١٦.
- الوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، أخو خالد بن الوليد، أُسر مع من أسر من المشركين في بدر، ثم أسلم بعد ذلك، فلما أسلم حبسه أخواله فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يدعو له في القنوت مع غيره من المستضعفين، ثم أفلت من أسرهم ولحق بالنبي -صلى الله عليه وسلم- في عمرة القضية. "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" ١١/ ٣٤، و"الإصابة في معرفة الصحابة" ٦/ ٣٢٣.
- ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين، حليف لبني مخزوم، يكنى: أبا عمار بابنه عمار بن ياسر، كان قد قدم من اليمن، وحالف أبا حذيفة بن المغيرة المخزومي، وزوجه أبو حذيفة أمة له يقال لها: سمية فولدت له عمارًا، فأعتقه أبو حذيفة، وجاء الله بالإِسلام فأسلم ياسر وابنه عمار وسمية، وعبد الله أخو عمار بن ياسر، وكان إسلامهم قديمًا في أول الإسلام، وكانوا ممن يعذب في الله، وقتل ياسر وسمية وعبد الله وهم يعذبون -رضي الله عنه-. "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" ١١/ ٩٩، و"الإصابة في معرفة الصحابة" ٦/ ٣٣٢.
وقد ثبت في الصحيح دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- لعياش بن أبي ربيعة، ومن كان معه من المستضعفين في مكة، في حديث أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا رفع رأسه من الركعة الآخرة يقول: "اللَّهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللَّهم أنج سلمة بن هشام، اللَّهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللَّهم اشدد وطأتك على مُضر، اللَّهم اجعلها سنين كسني يوسف". قال ابن أبي الزناد عن أبيه: هذا كله في الصبح. أخرجه البخاري، كتاب الاستسقاء، رقم الحديث (١٠٠٦)، "فتح الباري" ٢/ ٤٩٢. وأخرجه مسلم ١/ ٤٦٧، في المساجد، رقم (٦٧٥)، وفي آخره قال أبو هريرة: ثم رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ترك الدعاء بعدُ فقلت: أرى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد ترك الدعاء لهم قال: فقيل: وما تراهم قد قدموا. وفي حاشية صحيح مسلم: وما تراهم قد قدموا، معناه: ماتوا!. ولم أجد هذا المعنى في =

صفحة رقم 486

وعدة من بني مخزوم، وغيرهم من قريش (١).
روى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: الم قال: أنَّ الله أعلم (٢). وقال عكرمة: الم أَن قسم (٣).
واختار الزجاج قول ابن عباس (٤).

= "شرح النووي على صحيح مسلم"؛ وهو تعليق غريب، لا يتضح به المعنى المراد، والمعنى الصحيح ما ذكره أبو حاتم؛ محمد بن حبان البستي: الصواب أن اللعن علي الكفار والمنافقين في الصلاة غير منسوخ، ولا الدعاء للمسلمين، والدليل على صحة هذا قوله -صلى الله عليه وسلم- في خبر أبي هريرة: "أما تراهم وقد قدموا" تُبين لك هذه اللفظة أنهم لولا أنهم قدموا ونجاهم الله من أيدي الكفار لأثبت القنوت -صلى الله عليه وسلم-، وداوم عليه.. "ابن حبان - إحسان" ٥/ ٣٢٧. رواية ابن حبان: أما تراهم وقد قدموا. ورواية مسلم: وما تراهم قد قدموا. فكأن المعلق فهم من هذه الرواية النفي. والله أعلم.
(١) لم أجد هذا القول، وهناك قول آخر في سبب النزول؛ ذكره مقاتل ٧٠ ب؛ قال: نزلت في مِهْجَع بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، كان أول قتيل من المسلمين يوم بدر، وهو أول من يدعى إلى الجنة من شهداء أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-، فجزع عليه أبواه. وذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٥٥ ب. والواحدي في "أسباب النزول" ٣٤٠. وقال عنه الزيلعي: غريب. "تخريج أحاديث الكشاف" ٣/ ٣٩، وساق ما روي في شأن مهجع -رضي الله عنه-. ولا تعارض بين هذه الأسباب فكلها أمثلة لمن حصل لهم البلاء بسبب إيمانهم. وحكمها باقٍ؛ قال ابن عطية: وهذه الآية وإن كانت نازلة بهذا السبب، وفي هذه الجماعة، فهي بمعناها باقية في أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-، موجود حكمها بقية الدهر، وذلك أن الفتنة من الله تعالى باقية في ثغور المسلمين بالأسر ونِكاية العدو، وغير ذلك.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٢٩، عن ابن عباس، من طريق سعيد بن جبير، وأبي الضحى. وسبق ذكر رأي الواحدي في الحروف المقطعة والتعليق عليه في أول سورة الشعراء.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٣٠.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ١٥٩.

صفحة رقم 487

وقال في قوله: أَحَسِبَ النَّاسُ اللفظ لفظ استخبار، والمعنى معني تقرير وتوبيخ، ومعناه: أحسبوا بمعنى الذين جزعوا من أذى المشركين أن نقنع منهم بأن يقولوا: إنا مؤمنون فقط، ولا يمتحنون بما يتبين به حقيقة إيمانهم (١).
وقوله: أَنْ يُتْرَكُوا (أن) في موضع نصب بحَسِب.
وقوله: أَنْ يَقُولُوا (أن) في موضع نصب من جهتين؛ ذكرهما الفراء والزجاج؛ إحداهما أن التقدير: أَنْ يُتْرَكُوا لأن يقولوا أو بأن يقولوا، فلما حذف حرف الخفض وصل يُتْرَكُوا إلى أن فنصب.
والثانية: أن تجعل أَحَسِبَ مكررة عليها، المعنى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أحسبوا (٢) أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٣) قال أبو إسحاق: الأولى أجود (٤).
قال أبو علي: إن تَرَك، يتعدَى إلى مفعول واحد، فإنْ بُنِيَ للمفعول لم يتعدَّ إلى آخَر، فـ أَنْ يَقُولُوا لا يتعلق به ولا يتعدى إليه، حتى يقدر محذوفٌ (٥) حرفٌ، ثم يُقدَّرُ الحرفُ فيصل الفعل (٦).

(١) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ١٥٩.
(٢) أحسبوا. زيادة من الفراء.
(٣) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٣١٤. التقدير على هذا القول: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أحسب الناس أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وجملة وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ متعلقة بالحالين: الترك، والقول. والله أعلم.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ١٥٩.
(٥) محذوف، من نسخة: (ب).
(٦) "الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" ٢/ ٢٢١ أ. والحرف المقدر هو ما سبق ذكره في قول الفراء والزجاج: لأن يقولوا، أو: بأن يقولوا.

صفحة رقم 488

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية