نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٢:قوله تعالى : وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ اتبعوا سَبِيلَنَا قال مجاهد : هذا قول كفار مكة لمن آمن منهم وذلك أن الكافر يقول للمؤمن تصبر في الذل، وعلى الإيذاء١ لأي شيء ولم لا تدفع عن نفسك الذل والعذاب بموافقتنا فيجيبه المؤمن بأن يقول خوفاً من عذاب الله على خطيئة مذهبكم فقالوا : لا خطيئة فيه وإن كان فيه خطيئة فعلينا٢.
قوله :«وَلْنَحْمِلْ » أمر في معنى٣ الجنس، قال الزمخشري : وهو في معنى٤ من يريد اجتماع أمرين في الوجهين فيقول : ليكن منك العطاء، ومني الدعاء.
فقوله :«ولنحمل » أي ليكن منا الحِمْل، وليس هو في الحقيقة أمر طلب وإيجاب وقرأ الحَسَن٥ وعيسى بكسر لام الأمر٦، وهو لغة الحجاز قال الزمخشري :«وَهذا قول صناديد٧ قريش كانوا يقولون لمن آمن منهم لا نبعث نحن، ولا أنتم، فإن عسى كان ذلك فإنا نتحمل ( عنكم الإثم )٨. قال أبو حيان :«هذا تركيب٩ عجمي من جهة إدخال حرف الشرط وهي جامدة واستعمالها من غير اسم، ولا خبر، وإيلائها كان ». وقرأ العامة «خطاياكم »١٠، وداود بن هند١١ :«من خطيئاتهم »١٢ جمع سلامة، وعنه أيضاً :«خطيئتهم » بالتوحيد١٣ والمراد الجنس، وهذا شبيه بقراءتي : وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ١٤ و «خطيئاته » وعنه أيضاً :«خطَئهم »١٥- بفتح الطاء وكسر الياء، يعني بكسر الهمزة القريبة من الياء لأجل تمهيدها بين بين، و «من شيء » وهو مفعول بحاملين و «من خطاياهم » لما تقدم عليه انتصب حالاً.
فصل :
معنى الآية اتبعوا سبيلنا أي ديننا وملة آبائنا، ونحن الكفلاء بكل تبعية من الله تصيبكم وهو قوله :«ولنحمل خطاياكم »، نظير هذه الصيغة : فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل ١٦ ثم١٧ أكذبهم الله تعالى فقال : وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ فيما قالوا.
فإن قيل : قال : وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء وقال بعده : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ فنفى الحمل أولاً، وأثبت١٨ الحمل ثانياً فكيف الجمع بينهما ؟.
فالجواب : أن قول القائل في «حمل فلان وعن فلان » يريد : أن حمل فلان خف، فإذا لم يخف حمله فلا يكون قد حمل عنه شيئاً، فقوله : وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء يعني ( لا يرحمون )١٩ ولا يرفعون عنهم خطيئة، بل يحملون أوزار أنفسهم، وأوزاراً بسبب إضلالهم ( لهم )٢٠، كقوله ( عليه الصلاة )٢١ والسلام :«مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا منْ غَيْرِ أن يَنْقُصَ من وِزِرْهِ شَيْء »٢٢، والمعنى : وليحملن أوزار أعمالهم التي عملوها بأنفسهم، «أثقالاً مع أثقالهم » أو أوزاراً مثل أوزار من أضلوا مع أوزارهم، كقوله : وليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ٢٣.
قوله : وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون سؤال توبيخ وتقريع، وذلك الافتراء يحتمل ثلاثة أوجه :
أحدها : قولهم :«ولنحمل خطاياكم » كان لاعتقادهم أن لا خطيئة في الكفر، ثم يوم القيامة يظهر لهم خلاف ذلك، فيسألون عن ذلك الافتراء.
وثانيها : أن قولهم «ولنحمل خطاياكم » كان لاعتقادهم أن لا حشر، فإذا جاء يوم القيامة ظهر خلاف ذلك، فيسألون يقول لهم : أما قلتم : أن لا حشر.
وثالثها : أنهم لما قالوا : نحمل خطاياكم يوم القيامة، يقال لهم : فاحملوا خطاياهم، فلا يحملون ويسألون فيقال لهم : فَلِمَ افتريتم.
٢ بالمعنى من البحر المحيط ٧/١٤٣..
٣ انظر الزجاج في معاني القرآن وإعرابه ٤/١٦١..
٤ انظر: الكشاف ٣/١٩٩ بالمعنى..
٥ الحسن: الحسن البصري بن أبي الحسن أبو سعيد مولى زيد بن ثابت، روى عن عمران بن حصين، وأبي موسى، وابن عباس وعنه ابن عوف، وأمم، كان رأساً في العلم مات سنة ١١٠، انظر طبقات الداودي ١/١٥٠، ١٥١..
٦ الإتحاف ٣٤٤، والبحر المحيط ٧/١٤٣، ومختصر ابن خالويه ١١٤، وانظر أيضاً الدر المصون ٤/٢٩٧..
٧ انظر: الكشاف ٣/١٩٩..
٨ زيادة يقتضيها السياق من الكشاف المرجع السابق..
٩ انظر: البحر المحيط ٧/١٤٣..
١٠ البحر المحيط ٧/١٤٣ والدر المصون ٤/٢٩٧..
١١ لم أقف عليه..
١٢ مختصر ابن خالويه ١١٤، والبحر ٧/١٤٤..
١٣ البحر ٧/١٤٤..
١٤ البقرة: ٨١..
١٥ انظر: المراجع السابقة..
١٦ طه: ٣٩..
١٧ في ب: فأكذبهم..
١٨ في ب: "ثبت" ثلاثيّاً..
١٩ زيادة من "ب"..
٢٠ زيادة من أ..
٢١ زيادة من ب..
٢٢ هذا جزء من حديث طويل مروي عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن جرير بن عبد الله، وقد رواه الإمام مسلم في صحيحه ٨/٦١ "باب العلم"..
٢٣ [النحل: ٢٥]..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود