ﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃ

ثم يقول الحق سبحانه :
{ إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتختلفون إفكا
إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم
رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له
إليه ترجعون١٧ }
قوله تعالى : إنما تعبدون.. ١٧ [ العنكبوت ] أي : على حد زعمهم، وعلى حد قولهم : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى.. ٣ [ الزمر ]، وإلا فلا عبادة لهذه الآلهة، حيث لا أمر عندهم ولا نهي ولا منهج، فعبادتهم إذن باطلة.
وهم يعبدون الأوثان من دون الله فإن ضيق عليهم الخناق قالوا : ما نعبدهم إلا ليقربون إلى الله زلفى.. ٣ [ الزمر ] فهم بذلك مشركون، ومن لم يقل بهذا القول فهو كافر.
والوثن : ما نصب للتقديس من حجر، أيا كان نوعه : حجر جيرى، أو جرانيت، أو مرمر. أو كان من معدن : ذهب أو فضة أو نحاس.. إلخ أو من خشب، وقد كان البعض منهم يصنعه من ( العجوة )، فإن جاع أكله، وقد حكى هذا على سبيل التعجب سيدنا عمر رضي الله عنه.
وبأي عقل أو منطق أن تذهب إلى الجبل وتستحسن منه حجرا فتنحته على صورة معينة، ثم تتخذه إلها تعبده من دون الله، وهو صنعة يدك، وإن أطاحت به الريح أقمته، وإن كسرته رحت تصلح ما تكسر منه وترممه، فأي عقل يمكن أن يقبل هذا العمل ؟
لذلك يخاطبهم القرآن : قال أتعبدون ما تنحتون٩٥ [ الصافات ] وكلما تقدم العالم تلاشت منه هذه الظاهرة ؛ لأنها مسألة لم تعد تناسب العقل بأية حال.
ومعنى وتخلقون إفكا.. ١٧ [ العنكبوت ] أي : توجدون، والإيجاد يكون من عدم، فهم يوجدون من عدم، لكن أيوجدون صدقا ؟ أم يوجدون كذبا ؟ إنهم يوجدون إفكا.. ١٧ [ العنكبوت ] والإفك تعمد الكذب الذي يلقب الحقائق، ومن ذلك قوله سبحانه : والمؤتفكة أهوى٥٣ [ النجم ] أي : القرى التي كفأها الله على نفسها.
وسبق أن أوضحنا أن الحقيقة هي القضية الصادقة التي توافق الواقع، فلو قلت مثلا : محمد كريم، فلا بد أن هناك شخصا اسمه محمد وله صفة الكرم، فإن احتلف الواقع فلم يوجد محمد أو وجد ولم تتوفر له صفة الكرم، فالقضية كاذبة لأنها مخالفة للواقع، هذا هو الإفك.
فالحق سبحانه لا يعيب عليهم الخلق ؛ لأنه أثبت للعباد خلقا، فقال سبحانه : فتبارك الله أحسن الخالقين١٤ [ المؤمنين ]
والفرق أنك تخلق من موجود، أما الحق سبحانه فيخلق من العدم، فأنت توجد الثوب من القطن مثلا، وكوب الزجاج من الرمل، والمحراث من الحديد.. إلخ فأوجدت معدوما عن موجود سابق، أما الخالق سبحانه فأوجد معدوما عن لا وجود.
وسبق أن أوضحنا أن صنعة البشر تجمد على حالها، فالسكين مثلا يظل سكينا لا يكبر، حتى يصير ساطورا مثلا، والكوب لا يلد لنا أكوابا أخرى. لكن خلقة الله سبحانه لها صفة النمو والحياة والتكاثر.. إلخ ؛ لذلك أنصفك الله فوصفك بأنك خالق، لكن هو سبحانه أحسن الخالقين.
إذن : الحق سبحانه لا يعيب على هؤلاء أنهم يخلقون، إنما يعيب عليهم أن يخلقوا إفكا وكذبا.
ثم يقول سبحانه : إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق.. ١٧ [ العنكبوت ] في موضع آخر بين لهم الحق سبحانه أنهم يعبدون آلهة لا تضر ولا تنفع، وهنا يذكر مسألة مهمة هي استبقاء الحياة للإنسان بالقوت الذي نسيمه الرزق، فهذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله لا تملك لكم رزقا، ولو امتنع عنكم المطر وأجدبت الأرض لمتم من الجوع.
إذن : كان عليكم أن تتأملوا : من أين تأتي مقومات حياتكم، ومن صاحب الفضل فيها، فتتوجهون إليه بالعبادة والطاعة، كما نقول في المثل ( اللي يأكل لقمتي يسمع كلمتني ) إنما أطعمك وتسمع لغيري ؟ ! !
والرزق هو الشغل الشاغل عند الناس، ففي أول الأمر كلنا يجتهد لنأكل ونشرب ونعيش، فلما تتحسن الأمور نرغب في التخزين للمستقبل، فالموظف مثلا يدخر لشهر، والزارع يدخر للعام كله.
ومن أعاجيب هذه المسألة أنك تجد الإنسان والفأر والنمل هم الوحيدون بين مخلوقات الله التي تدخر للمستقبل، أما بقية الحيونات فتأخذ حاجتها من الطعام فقط، وتترك الباقي دون أن تهتم بهذه المسألة، او تشغل برزق غد أبدا، لا يأكل أكثر من طاقته، ولا يدخر شيئا لغده.
لذلك يذكر الله عباده بمسألة الرزق لأهميتها في حياتهم، ومن عجيب أمر الرزق أنه أعرف بمكانك وعنوانك، منك بمكانه وعنوانه، فإن قسم لك الرزق جاءك يطرق عليك الباب، وإن حرمت منه أعياك طلبه.
ومن أوضح الأمثلة على أن الرزق مقسوم مقدر من الله لكل منا أن المرأة حين تحمل يمتنع عنها الحيض الذي كان يأتيها بشكل دوري قبل الحمل، فأين ذهب هذا الدم ؟ هذا الدم هو رزق الجنين في بطن أمه لا يأخذه ولا يستفيد به غيره حتى الأم.
فإن قدر الجنين تحول هذا الدم إلى غذاء له خاصة، فإن لم يقدر للأم أن تحمل نزل منها هذا الدم على صورة كريهة، لابد من التخلص منه ؛ لأنه ضار بالأم إن بقي لابد من نزوله، لأنه ليس رزقها هي، بل رزق ولدها في أحشائها، ولو لم يكن هذا الدم رزقا للجنين لكانت الأم تضعف كلما تكررت لها عملية نزول الدم بهذه الصورة الدورية. إذن : لكل منا رزق لا يأخذه غيره.
لذلك يقول أحد الصالحين : عجبت لابن آدم يسعى فيما ضمن له ويتر ما طلب منه.
فربك قد ضمن لك رزقك فانظر إلى ما طلب منك، واشغل نفسك بمراد الله فيك ؛ لذلك نتعجب من هؤلاء المتسولين الذين كنا نراهم مثلا في مواسم الحج، وشرهم من يعرضون عاهاتهم وعاهات أبنائهم على الناس يتسولون بها، وكأنهم يشتكون الخالق للخلق، ويتبرمون بقضاء الله، والله تعالى لا يحب أن يشكوه عبده لخلقه.
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول :( ( إذا بليتم فاستتروا ) )١ووالله لو ستر أصحاب البلاء بلاءهم، وقعدوا في بيوتهم لساق الله إليهم أرزاقهم إلى أبوابهم.
إذن : الرزق مضمون من الله ؛ لذلك يمتن به على عباده وينفيه عن هذه الآلهة الباطلة لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق.. ١٧ [ العنكبوت ] ثم يقول الحق سبحانه واعبدوا واشكروا له إليه ترجعون ١٧ [ العنكبوت ] فإن لم تعبدوه لأنه يرزقكم زيطعمكم، فاعبدوه لأن مرجعكم إليه ووقوفكم بين يديه.
وكان يكفي أن نعمه عليكم مقدمة على تكليفه لكم، لقد تركك تربع في نعمه دون أن يكلفك شيئا، إلى أن بلغت سن الرشد، وهي سن النضج والبلوغ والقدرة على إنجاب مثلك، ثم بعد ذلك تقابل تكليفه لك بالجحود ؟ إن عبادة الله وطاعته لو لم تكن إلا شكرا له سبحانه على ما قدمه لك لكانت واجبة عليك.
وقوله تعالى : واشكروا له.. ١٧ [ العنكبوت ] لأن ربكم عز وجل يريد أن يزيدكم، فجعل الشكر على النعمة مفتاحا لهذه الزيادة، فقال سبحانه : لئن شكرتم لأزيدنكم.. ٧ [ إبراهيم ] فربك ينتظر منك كلمة الشكر، مجرد أن تستقبل النعمة بقولك الحمد لله فقد وجبت لك الزيارة.
حتى أن بعض العارفين يرى أن الحمد لا يكون على نعم الله التي لا تعد ولا تحصى فحسب، إنما يكون الحمد لله على أنه لا إله إلا الله، وإلا لو كان هناك إله آخر لحرنا بينهما أيهما نتبع، فالوحدانية من أعظم نعم الواحد سبحانه التي تستوجب الشكر.
وقد أعطانا الحق سبحانه مثلا لهذه المسألة بقوله سبحانه : ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون.. ٢٩ [ الزمر ] يعني : مملوك لشركاء مختلفين، وليتهم متفقون ورجلا سلما لرجل.. ٢٩ [ الزمر ]أي : ملك لسيد واحد هل يستويان مثلا.. ٢٩ [ الزمر ] فكذلك الموحد لله، والمشرك به.
ولذلك يقول بعض الصالحين في قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم.. ١٧٢ [ البقرة ] فاللص الذي يأكل من الحرام يأكل رزقه، فهو رزقه لكنه من الحرام، ولو صبر على السرقة لأكله من الحلال ولساقه الله إليه.
فالمعنى أن الله خلقكم ورزقكم، ولا يعني هذا أن تفلتوا منه، فإن لم تراعوا الجميل السابق فخافوا مما هو آت.

١ تمام هذا الحديث: ((إذا بليتم بالمعاصي فاستتروا)) أورده العجلوني في كشف الخفاء (١/٨٧) (حديث١/٢١١) وقال: رواه البيهقي والحاكم عن ابن عمر. والحديث الأولى بالاستشهاد هنا هو ما أخرجه الحاكم في مستدركه (١/٣٤٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قال الله تعالى: إذا ابتليت عبدي المؤمن ولم يشكني إلى عواده أطلقته من إسارى ثم أبدلته لحما خيرا من لحمه ودما خيرا من دمه ثم يستأنف العمل)). وصححه الحاكم على شرط الشيخين، وأقره الذهبي، والله تعالى أعلى وأعلم..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير