ﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡ

ثم يقول الحق سبحانه :
{ أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم
يعيده إن ذلك على الله يسير١٩ }
الخطاب هنا موجه إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم : هؤلاء الذين كذبوا من قبل، وأنتم الذين تكذبون الآن، فأين عقولكم ؟ لو استعملتم عقولكم في تأمل الكون الذي تعيشون فيه، والذي طرأتم عليه، وقد أعد لكم بكل مقومات حياتكم.
أو لم يروا كيف يبدئ الخلق.. ١٩ [ العنكبوت ] ويرى هنا بمعنى يعلم، كما في قوله تعالى : ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل١ [ الفيل ]أي : ألم تعلم ؛ لأن رسول الله لم ير حادثة الفيل، وعدل عن ( تعلم ) إلى ( ترى ) ليلفت أنظارنا إلى أن إخبار الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أوثق له من رؤيته بعينه.
ومن ذلك قول الصديق أبي بكر لما سمع بحادث الإسراء والمعراج قال :( ( إن كان قال فقد صدق ) ).
والهمزة في أو لم يروا.. ١٩ [ العنكبوت ] استفهام للتقرير، كما تقول لولدك : ألم تر إلى فلان الذي أهمل دروسه، تريد أن تنكر عليه أن يهمل هو أيضا، فتقرره بعاقبة الإهمال، وتدعه ينطقه بلسانه، فيقول لك : الذي أهمل دروسه رسب.
وكما تقول لمن أنكر جميلك : ألم أحسن إليك بكذا وكذا، فيقر بها هو بدل أن تعددها له أنت، فهذا أبلغ في الاعتراف.
فساعة يأتي بعد الهمزة نفي يسمونه استفهاما إنكاريا، تنكر ما هم عليه، وتريد أن تقررهم بما يقابله. والنفي بعد الإنكار نفي للنفي، ونفي النفي إثبات.
فالمعنى : أيكذبون ولم يروا ما حدث للأمم المكذبة من قبل ؟ أيكذبون ولم يروا آيات الله، وقدرته شائعة في الوجود كله ؟ لقد كان عليهم أن ينظروا نظرة اعتبار ليعلموا من خلق هذا الخلق، وإنك لو سألتهم : من خلق هذا الكون لا يجدون جوابا، ولا يملكون إلا أن يقولوا : الله، كما حكى القرآن : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله.. ٢٥ [ لقمان ]
لكن، كيف يقرون بهذه الحقيقة ويعترفون بها، مع أنهم كافرون بالله ؟ قالوا : لأنها مسألة أظهر من أن ينكرها منكر، فكل صاحب صنعة مهما كانت ضئيلة يفخر بها وينسبها إلى نفسه، بل وينسب إلى نفسه ما لم يصنع، فما بالك بكون أعد بهذه الدقة وبهذه العظمة، ولم يدعه أحد لنفسه ؟ والدعوى تثبت لصاحبها ما لم يقم لها معارض.
لذلك قلنا : إن الحق سبحانه قبل أن يقول لا إله إلا أنا، وقبل أن يطلبها منا شهد بها لنفسه تعالى : شهد الله أنه لا إله إلا هو.. ١٨ [ آل عمران ] ؛ لأن هذه الشهادة هي التي ستجعله يقول للشيء : كن فيكون، ولو لم يكن يؤمن بأنه إله ما قالها.
والحق سبحانه يقول : أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده.. ١٩ [ العنكبوت ] كيف ونحن لم نر الإعادة، فضلا عن رؤيتنا للبدء ؟
قالوا : نرى البدء والإعادة في مظاهر الوجود من حولنا، فنراها في الزرع مثلا، وكيف أن الله تعالى يحيي الأرض بالنبات، ثم يأتي وقت الحصاد فيحصد ويتناثر منه الحب أو البذور التي تعيد الدورة من جديد. والوردة تجد فيها رطوبة ونضارة وألوانا بديعة ورائحة زكية، فإذا قطفت تبخر منها الماء، فجفت وتفتتت، وذهبت رائحتها في الجو، ثم تخلفها وردة أخرى جديدة، وهكذا.
انظر مثلا إلى دورة الماء في الكون : هل زادت كمية الماء التي خلقها الله في الكون حين أعده لحياة الإنسان منذ خلق آدم وحواء ؟ الماء هو هو حتى الآن، مع ما حدث من زيادة في عدد السكان ؛ لأن عناصر الكون هي هي منذ خلقها الله، لكن لها دورة تسير فيها بين بدء وإعادة.
واقرأ إن شئت قوله تعالى : قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين٩ وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها.. ١٠ [ فصلت ]
فكأن قوت العالم من الزرع وغيره معد منذ بدء الخليقة، وإلى أن تقوم الساعة لا يزيد، لكنه يدور في دوره طبيعية.
ثم يقول سبحانه : إن ذلك على الله يسير١٩ [ العنكبوت ] أيهما : الخلق أم الإعادة ؟ أما الخلق فقد أقروا به، ولا جدال فيه، إذن : فالكلام عن الإعادة، وهل الذي خلق من عدم يعجز عن إعادة ما خلق ؟ الخلق الأول من عدم، أما الإعادة فمن موجود، فأيهما أهون في عرفكم وحسب منطقكم ؟
لذلك يقول الحق سبحانه : وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه.. ٢٧ [ الروم ] مع أن الحق سبحانه لا يقال في حقه : هذا هين، وهذا أهون ؛ لكنه سبحانه يخاطبنا بما تفهمه عقولنا

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير