ثم يقول الحق سبحانه :
كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون٥٧
يعني : إن كنتم ستقولون- وقد قالوا بالفعل – ليس لنا في المدينة دار ولا عقار، وليس لنا فيها مصادر رزق ١، وكيف نترك أولادنا وبيئتنا التي نعيش فيها، فاعلموا أنكم ولا بد مفارقون هذا كله، فإن لم تفارقوها وأنتم أحياء فسوف تفارقونها بالموت ؛ لأن كل نفس ذائقة الموت... ٥٧ ( العنكبوت )
ومن يدريكم لعلكم تعودون إلى بلدكم مرة أخرى، كما قال الله لرسوله : إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد... ٨٥ ( القصص )
وعلى فرض أنكم لا تعودوا إليها فلن يضيركم شيء : لأنكم لا بد مفارقوها بالموت. وكأن الحق- تبارك وتعالى- يخفف عنهم ما يلاقونه من مفارقة الأهل والوطن والمال والأولاد.
كما أننا نلحظ في قوله سبحانه كل نفس ذائقة الموت... ٥٧ ( العنكبوت ) بعد إن أرضي واسعة... ٥٦ ( العنكبوت ) أن الخواطر التي يمكن أن تطرأ على النفس البشرية حين يشرع الله أمرا يهيج هذه الخواطر مثل إن أرضي واسعة... ٥٦ ( العنكبوت ) وما تثيره في النفس من حب الجمع والتملك لك مع الأمر ما يهبط هذه الخواطر.
كل نفس ذائقة الموت.... ٥٧ ( العنكبوت ) حتى لا نطمع في حطام الدنيا، ويلهينا إغراء المال والهجرة لجمعه، فالنهاية بعد ذلك كله الموت، وفقدان كل ما جمعت.
وهذه القضية واضحة في قوله سبحانه : إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا... ٢٨ ( التوبة )
فلما أراد الله تعالى أن ينهي وجود المشركين في البيت الحرام علم سبحانه أن المسلمين سيحسبون النتيجة المادية لمنع المشركين من دخول الحرم، وأنها ستؤثر على تجارتهم وأرزاقهم في مواسم التجارة والحج.
لذلك قال بعدها مباشرة : وإن خفتم علية ٢ فسوف يغنيكم الله من فضله... ٢٨ ( التوبة ) فساعة يقرأونها في التشريع يعلمون أن الله اطلع على ما في نفوسهم، وجاءهم بالرد عليه حتى لا يتكلموا به، وهذا يعني أن التشريع يأتي ليعالج كل خواطر النفس، فلا ينزعك من شيء تخافه إلا ومع التشريع ما يذهب هذه المخاوف.
٢ العيلة: الفقر. والعيّل: الفقير. يقال: عال يعيل عيلة إذا افتقر.(لسان العرب –مادة: عيل)..
تفسير الشعراوي
الشعراوي