قوله ( تعالى )١ : والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات يجوز في «الذين » الوجهان المشهوران الابتداء٢، والاشتغال، وقوله :«لَنُبَوِّئَنَّهُمْ »، قرأ الأخوانِ بتاء مثلثةٍ ساكنةٍ بعد النون، وياء مفتوحة٣ بعد الواو من الثَّوَاءِ٤ وهو الإقامة، يقال : ثَوَى الرجلُ إذا أقامَ، وأثويته إذا أنزلته منزلاً يقيم فيه والباقون بباء موحدة٥ مفتوحة بعد النون، وهمزة مفتوحة بعد الواو من المَبَاءَةِ وهي٦ الإنزال أي لنبوئنهم من٧ الجنة غرَفاً.
قوله :«غُرَفاً » على القراءة الأولى إما مفعول به على تضمين «أَثْوَى » أَنْزَلَ فيتعدى لاثنين ؛ لأنَّ «ثوى » قاصرٌ، وأكسبتْهُ الهمزةُ التعدي لواحدٍ، وإما ( على )٨ تشبيه الظرف المختص بالمبهم٩ كقوله : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المستقيم وإما على إسقاط الخافض اتساعاً أي في غُرَفٍ١٠. وأما في القراءة الثانية فمفعول ثانٍ ؛ لأن «بوأ » يتعدى لاثنين١١ قال تعالى : تُبَوِّىءُ للمؤمنين مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ١٢، ويتعدى باللام، قال تعالى : وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ ١٣.
وقرئ «لنثوينّهم »١٤ بالتشديد مع الثاء المثلثة، عُدِّي بالتضعيف كما عُدِّي بالهمزة١٥، و «تجري » صفة «لِغُرَفاً » خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ العاملين وهذا في مقابلة قوله للكفار : ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ .
٢ انظر: الدر المصون ٤/٣٠٨ والتبيان ١٠٣٤، والبحر ٧/١٥٨..
٣ وهي قراءة ابن وثاب، وابن مسعود، والأعمش أيضاً، انظر: البحر ٧/١٥٨، والقرطبي ١٣/٣٥٩، والإتحاف ٣٤٦، والسبعة ٥٠٢، ومعاني القرآن للزجاج ٤/١٧٣، ومعاني القرآن للفراء ٢/٣١٨..
٤ معاني الزجاج ٤/١٧٣..
٥ المراجع السابقة..
٦ في "ب" وهو..
٧ في "ب" لننزلهم في الجنة..
٨ ساقط من "ب"..
٩ الظرف المختص: قسمان معدود وهو ما له مقدار من الزمان معلوم كسنة وشهر ويومين، وغير معدود وهو أسماء الأيام كالسبت وغيره وما يخصص بالإضافة كيوم الجمل، أو بأل كاليوم، والليلة، أو بالصفة: كقعدت عندك يوماً قعد عندك فيه زيد، وما أضافت إليه العرب لفظ شهر من أعلام الشهور وهو رمضان، وربيع الأول، وربيع الآخر خاصة، أما الظرف المبهم فهو ما وقع على قدر من الزمان غير معين، كوقت، وحين وزمان، وينصب على جهة التأكيد المعنوي لأنه لا يزيد على دلالة الفعل ومنه "أسرى بعبده ليلاً" انظر: الهمع ١/١٩٥ و ١٩٦..
١٠ البحر المحيط ٧/١٥٧..
١١ السابق..
١٢ آل عمران: ١٢١..
١٣ [الحج: ٢٦]. ويرى ابن الأنباري أن اللام في هذه الآية زائدة، والفعل تعدى إلى مفعولين..
١٤ انظر: البيان ٢/٢٤٦. لم ينسبها في البحر ٧/١٥٧ إلى معيَّن..
١٥ انظر: السابق والدر المصون ٤/٣٠٩..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود