ثم ذكر دلائل قدرته على الرزق وغيره فقال : ولئن سألتهم أي : المشركين وغيرهم مَنْ خَلَقَ السماوات والأرض على كبرهما وسعتهما، وسخَّرَ الشمسَ والقمرَ يجريان في فلكهما، ليقولُنَّ اللهُ ؛ لا يجدون جواباً إلا هذا، لإقرارهم بوجود الصانع، فأنى يؤفكون ؛ فكيف يُصرفون عن توحيد الله ؟ مع إقرارهم بهذا كله، إذ لو تعدد الإله لفسد نظام العالم.
وقد يبسطه الله لأهل الغفلة والبُعد، ويقدره لأهل الولاية والقُرب، كما قال القائل :كَمْ قَوِيٍّ قَوِيٍّ في تقلبه ترى عَنْهُ أَمْرَ الرَّزْقِ يَنْحَرفُ وكم ضعيفٍ ضعيفٍ في تصرفه كأنه من خليجِ البحرِ يَغْتَرِفُ
وقال عليه الصلاة والسلام - في بعض خطبه - :" أيها الناس، إن الرزق مقسوم، لن يعدو امْرُؤٌ ما كُتِبَ له، فاتقوا الله، وأَجْمِلُوا في الطَلَبِ. وإن الأمر محدود، لن يجاوز أحد ما قُدر له، فبادروا قبل نفوذ الأجل، وإن الأعمال محصاة، لن يُهْمَلَ منها صغيرةٌ ولا كبيرةٌ، فأكثروا من صالح الأعمال... " الحديث. وقال صلى الله عليه وسلم :" لو توكلتمْ على الله حقَّ توكلِهِ، لرَزقتم كما تُرزق الطير ؛ تغدو خِمَاصاً وتروح بِطَانا١ ". اللهَ يَرْزُق قَوْماً لاَ خَلاَقَ لَهُمْ مِثْلَ الْبَهَائِمِ في خَلْقِ التَّصَاوِيرِ لَوْ كَانَ عَنْ قُوَّةٍ أَوْ عَنْ مُغَالَبَةٍ طَارَ البُزَاةُ بِأرْزَاقِ الْعَصَافِيرِ
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي