ﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛ

٢٧٨- في هذه الآية من المسائل : الضمير في " جعله " على أي شيء يعود ؟ وما معنى " البشرى " ؟ وكيف صح الانتظام منها ومن الضمير ؟ فإن من شرط مفعولي " جعل " أن يكونا لعين واحدة. وكيف تصحيح هذا الاستثناء ؟
والجواب : الضمير عائد على ما تقدم من إمداد الملائكة، أي : " ما جعل الله تعالى ذلك الإمداد إلا بشرى ". والبشرى مصدر مؤنث مثل الذكرى ولنا في انتظامه طريقان :
- أحدهما : أن تضمر مضافا محذوفا في الضمير، تقديره : " ما جعل الله تعالى ذكره ". أي : " الإعلام به إلا بشرى ". فأخبر عن المصدر الذي هو الذكر بأنه بشرى. والبشرى قول والذكر قول، فانتظم الكلام.
- أو تضمر " ذا " التي ليست في " بشرى "، تقديره : " ما جعله الله إلا ذا بشرى "، فيقع الاتحاد والانتظام بين الإمداد و " ذا " الذي بمعنى : صاحب. وينتظم الكلام. ولا يستقيم أن نجعل البشرى بمعنى مبشرا به بتأويل المصدر باسم الفاعل لأن المعنى يأباه، لأن مقصود الآية : " أن تستبشروا في أنفسكم أيها المؤمنون وتقوى قلوبكم بأن الله ناصركم على عدوكم فتنهضوا للقتال ".
فالمراد الاستبشار لا نفس البشرى من حيث هي مخبر عنها، فالمبشر به قد لا يقع به استبشار، فلذلك عدلت عن اسم الفاعل والتقدير به.
تقدير الآية : " ما جعل الله الإمداد إلا استبشارا لكم، وإلا فالله تعالى لا يحتاج في نصركم للملائكة، وما النصر إلا من عند الله. إن فعله تعالى فلا حاجة إلى سبب عادي، وإن لم يفعله تعالى لا تفيد الأسباب العادية شيئا ". فيصير المعنى : " أما الجعل فلم يفعل لسبب من الأسباب إلا لحصول تقوية قلوب المؤمنين ووثوقها بالنصر وحسن العاقبة، وأن الله مولاهم وناصرهم على عدوهم، ولم يحمل الإمداد لسبب آخر مما جرت به عوائد الملوك من الاستعانة بجندهم ولا غير ذلك من الأسباب ". ( الاستغناء : ٤٩٧-٤٩٨ )
٢٧٩- قوله تعالى : وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم هذا الاستثناء مفرغ لتوسطه بين المبتدأ والخبر، وهو في الحقيقة يرجع إلى الاستثناء من الأسباب. والتقدير : " ما النصر بسبب من الأسباب ولا بمؤثر موجب إلا من قدرة الله تعالى ". فالمستثنى منه أسباب، والمستثنى سبب مثبت وغيره منفي.
وفيه أسئلة، وهي بالألف واللام في " النصر " هل هي العهد أو استغراق الجنس ؟ وهل اللام في قوله تعالى : ليقطع يتعلق بالنصر على التقديرين أو على أحدهما ؟ أو يتعلق بغير النصر ؟ ولم سميت الطائفة طرفا ؟
الجواب : إن هذه الآية في أمر بدر ووقعتها، فإن كان اللام للعهد فينصرف لنصر المسلمين بدر ليقطع طرف من كفار قريش، ويصعقوا من قتال المسلمين، ويضطروا للإسلام قهرا أو اختيارا.
وإن كانت اللام للاستغراق والعموم، يتعين حمل قطع الطرف على العموم من المسلمين والكافرين، فإن الحرب سجالا والنصر في الجميع من عند الله تعالى، ويقطع تارة طرفا مؤمنا لنقله لدار الكرامة بدرجة الشهادة، وتارة طرفا كافرا لدار الشقاوة والمهانة.. ( نفسه : ١٦٩-١٧٠-١٧١ )

جهود القرافي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير