ﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛ

وَلَا عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يُمَدُّوا بِهِمْ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللهُ أَمَدَّهُمْ عَلَى نَحْوِ مَا رَوَاهُ الَّذِينَ أَثْبَتُوا أَنَّ اللهَ أَمَدَّهُمْ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللهُ لَمْ يُمِدَّهُمْ عَلَى نَحْوِ الَّذِي ذَكَرَهُ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ وَلَا خَبَرَ عِنْدَنَا صَحَّ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي يُثْبِتُ أَنَّهُمْ أُمِدُّوا بِالثَّلَاثَةِ الْآلَافِ وَلَا بِالْخَمْسَةِ الْآلَافِ وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُقَالَ فِي ذَلِكَ قَوْلٌ إِلَّا بِخَبَرٍ تَقُومُ الْحُجَّةُ بِهِ، وَلَا خَبَرَ بِهِ فَنُسَلِّمُ لِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ قَوْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي الْقُرْآنِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّهُمْ قَدْ أُمِدُّوا يَوْمَ بَدْرٍ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَذَلِكَ قَوْلُهُ: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدَفِينَ [٨: ٩] أَمَّا فِي أُحُدٍ فَالدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يُمَدُّوا أَبْيَنُ مِنْهَا فِي أَنَّهُمْ أُمِدُّوا، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَوْ أُمِدُّوا لَمْ يُهْزَمُوا وَيُنَلْ مِنْهُمْ مَا نِيلَ مِنْهُمْ " اهـ.
أَقُولُ: مَا مَعْنَى هَذَا الْإِمْدَادِ بِالْمَلَائِكَةِ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ إِمْدَادِ الْعَسْكَرِ بِمَا يَزِيدُ عَدَدَهُمْ أَوْ عُدَّتَهُمْ وَقُوَّتَهُمْ وَلَوِ النَّفْسِيَّةَ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَهَاكَ بَيَانُهُ.
إِمْدَادٌ: مِنَ الْمَدِّ. وَالْمَدُّ فِي الْأَصْلِ: عِبَارَةٌ عَنْ بَسْطِ الشَّيْءِ كَمَدِّ الْيَدِ وَالْحَبْلِ، أَوْ عَنِ
الزِّيَادَةِ فِي مَادَّتِهِ كَمَدِّ النَّهْرِ بِنَهْرٍ أَوْ سَيْلٍ آخَرَ. قَالَ - تَعَالَى -: أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ [٢٣: ٥٥، ٥٦] فَالْإِمْدَادُ يَكُونُ بِالْمَالِ وَهُوَ مَا يُتَمَوَّلُ وَيُنْتَفَعُ بِهِ، وَيَكُونُ بِالْأَشْخَاصِ. وَالْإِمْدَادُ بِالْمَلَائِكَةِ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ الْإِمْدَادِ بِالْمَالِ الَّذِي يَزِيدُ فِي قُوَّةِ الْقَوْمِ وَأَنْ يَكُونَ مِنَ الْإِمْدَادِ بِالْأَشْخَاصِ الَّذِينَ يُنْتَفَعُ بِهِمْ وَلَوْ نَفْعًا مَعْنَوِيًّا، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ أَرْوَاحٌ تُلَابِسُ النُّفُوسَ فَتُمِدُّهَا بِالْإِلْهَامَاتِ الصَّالِحَةِ الَّتِي تُثَبِّتُهَا وَتُقَوِّي عَزِيمَتَهَا، وَلِذَلِكَ قَالَ - عَزَّ وَجَلَّ -: وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - وَمَا جَعَلَ اللهُ وَعْدَهُ إِيَّاكُمْ مَا وَعَدَكُمْ بِهِ مِنْ إِمْدَادِهِ إِيَّاكُمْ بِالْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ ذَكَرَ عَدَدَهُمْ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ يُبَشِّرُكُمْ بِهَا وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ يَقُولُ: وَكَيْ تَطْمَئِنَّ بِوَعْدِهِ الَّذِي وَعَدَكُمْ مِنْ ذَلِكَ قُلُوبُكُمْ فَتَسْكُنَ إِلَيْهِ وَلَا تَجْزَعَ مِنْ كَثْرَةِ عَدَدِ عَدُوِّكُمْ وَقِلَّةِ عَدَدِكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ يَعْنِي وَمَا ظَفَرُكُمْ إِنْ ظَفَّرْتُكُمْ بِعَدُوِّكَمْ إِلَّا بِعَوْنِ اللهِ لَا مِنْ قِبَلِ الْمَدَدِ الَّذِي يَأْتِيكُمْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ اهـ.
وَأَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ وَمَا جَعَلَ اللهُ ذَلِكَ الْقَوْلَ الَّذِي قَالَهُ لَكُمُ الرَّسُولُ وَهُوَ (أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ) إِلَخْ إِلَّا بُشْرَى يَفْرَحُ بِهَا رَوْعُكُمْ وَتَنْبَسِطُ بِهَا أَسَارِيرُ وُجُوهِكُمْ وَطُمَأْنِينَةً لِقُلُوبِكُمُ الَّتِي طَرَقَهَا الْخَوْفَ مِنْ كَثْرَةِ عَدُوِّكُمْ وَاسْتِعْدَادِهِمْ. أَيْ إِنَّ قَوْلَ الرَّسُولِ لَهُ هَذَا التَّأْثِيرُ فِي تَقْوِيَةِ الْقُلُوبِ وَتَثْبِيتِ النُّفُوسِ. وَإِنَّمَا أَرْجَعْنَا ضَمِيرَ (جَعَلَهُ) إِلَى قَوْلِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا إِلَى وَعْدِ اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ - لِأَنَّ الْآيَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ لَيْسَتَا وَعْدًا مِنَ اللهِ بِالْإِمْدَادِ بِالْمَلَائِكَةِ، وَإِنَّمَا هُمَا إِخْبَارٌ عَمَّا قَالَهُ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَدْ أَخْبَرَ - تَعَالَى - فِي تَيْنَكِ الْآيَتَيْنِ أَنَّ رَسُولَهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ ذَلِكَ الْقَوْلَ، وَبَيَّنَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَائِدَةَ ذَلِكَ الْقَوْلِ

صفحة رقم 92

وَمَنْفَعَتَهُ مَعَ بَيَانِ الْحَقِيقَةِ، وَهِيَ أَنَّ النَّصْرَ بِيَدِ اللهِ الْعَزِيزِ، أَيِ الْقَوِيِّ الَّذِي لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ الْحَكِيمِ الَّذِي يُدِيرُ الْأَمْرَ عَلَى خَيْرِ سَنَنٍ، وَيُقِيمُهُ بِأَحْسَنِ سُنَنٍ، فَيَهْدِي لِأَسْبَابِ النَّصْرِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ مَنْ يَشَاءُ، وَيَصْرِفُ عَنْهُمَا مَنْ يَشَاءُ. فَإِنْ حَصَلَ الْإِمْدَادُ بِالْمَلَائِكَةِ فِعْلًا فَمَا يَكُونُ إِلَّا جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ سَبَبِ النَّصْرِ أَوْ فَرْدًا مِنْ أَفْرَادِهِ، وَمِنْهُ إِلْقَاءُ الرُّعْبِ وَالْخَوْفِ فِي قُلُوبِ الْأَعْدَاءِ، وَمِنْهُ سَائِرُ الْأَسْبَابِ الْمَعْرُوفَةِ مِنَ الصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ وَحُسْنِ التَّدْبِيرِ وَمَعْرِفَةِ الْمَوَاقِعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
سَلَكَ إِلَى أُحُدٍ أَقْرَبَ الطُّرُقِ وَأَخْفَاهَا عَنِ الْعَدُوِّ، وَعَسْكَرَ فِي أَحْسَنِ مَوْضِعٍ وَهُوَ الشِّعْبُ (الْوَادِي)، وَجَعَلَ ظَهْرَ عَسْكَرِهِ إِلَى الْجَبَلِ، وَجَعَلَ الرُّمَاةَ مِنْ وَرَائِهِمْ، فَلَمَّا اخْتَلَّ بَعْضُ هَذِهِ التَّدْبِيرَاتِ لَمْ يَنْتَصِرُوا.
وَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ السَّيْرِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ قَاتَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ، وَهُوَ مَا نَفَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَقَدْ ذَكَرْنَا عِبَارَتَهُ، بَلْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمْ تُقَاتِلْ إِلَّا يَوْمَ بَدْرٍ، وَفِيمَا عَدَاهُ كَانُوا عَدَدًا وَمَدَدًا لَا يُقَاتِلُونَ. وَأَنْكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْأَصَمُّ قِتَالَ الْمَلَائِكَةِ وَقَالَ: إِنَّ الْمَلَكَ الْوَاحِدَ يَكْفِي فِي إِهْلَاكِ أَهْلِ الْأَرْضِ كَمَا فَعَلَ جِبْرِيلُ بِمَدَائِنِ قَوْمِ لُوطٍ ; فَإِذَا حَضَرَ هُوَ يَوْمَ بَدْرٍ فَأَيُّ حَاجَةٍ إِلَى مُقَاتَلَةِ النَّاسِ مَعَ الْكُفَّارِ؟ وَبِتَقْدِيرِ حُضُورِهِ أَيُّ فَائِدَةٍ فِي إِرْسَالِ سَائِرِ الْمَلَائِكَةِ؟ وَأَيْضًا فَإِنَّ أَكَابِرَ الْكُفَّارِ كَانُوا مَشْهُورِينَ، وَقَاتَلَ كُلٌّ مِنْهُمْ مَنِ الصَّحَابَةِ مَعْلُومٌ، وَأَيْضًا لَوْ قَاتَلُوا فَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا بِحَيْثُ يَرَاهُمُ النَّاسُ أَوَّلًا، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ الْمُشَاهَدُ مِنْ عَسْكَرِ الرَّسُولِ ثَلَاثَةَ آلَافٍ وَأَكْثَرَ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِذَلِكَ، وَأَنَّهُ خِلَافُ قَوْلِهِ: وَيُقْلِلْكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ [٨: ٤٤] وَلَوْ كَانُوا فِي غَيْرِ صُورَةِ النَّاسِ لَزِمَ وُقُوعُ الرُّعْبِ الشَّدِيدِ فِي قُلُوبِ الْخَلْقِ وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ، وَعَلَى الثَّانِي كَانَ يَلْزَمُ جَزُّ الرُّءُوسِ وَتَمَزُّقُ الْبُطُونِ وَإِسْقَاطُ الْكُفَّارِ مِنْ غَيْرِ مُشَاهَدَةِ فَاعِلٍ، وَمِثْلُ هَذَا يَكُونُ مِنْ أَعْظَمِ الْمُعْجِزَاتِ، فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَتَوَاتَرَ وَيَشْتَهِرَ بَيْنَ الْكَافِرِ وَالْمُسْلِمِ وَالْمُوَافِقِ وَالْمُخَالِفِ.
وَأَيْضًا إِنَّهُمْ لَوْ كَانُوا أَجْسَامًا كَثِيفَةً وَجَبَ أَنْ يَرَاهُمُ الْكُلُّ، وَإِنْ كَانُوا أَجْسَامًا لَطِيفَةً هَوَائِيَّةً فَكَيْفَ ثَبَتُوا عَلَى الْخُيُولِ؟ اهـ. ذَكَرَ ذَلِكَ الرَّازِيُّ وَالنَّيْسَابُورِيُّ، فَالرَّازِيُّ أَوْرَدَ هَذَا عَنِ الْأَصَمِّ وَذَكَرَ حُجَجَهُ مُفَصَّلَةً كَعَادَتِهِ بِقَوْلِهِ: الْحُجَّةُ الْأُولَى - الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ إِلَخْ، وَلَخَّصَهُ النَّيْسَابُورِيُّ عَنْهُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَاعْتَرَضَ الرَّازِيُّ عَلَيْهِ بِأَنَّ مِثْلَ هَذَا إِنَّمَا يَصْدُرُ مِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَانَ يَجِبُ أَنْ يُرَدَّ عَلَيْهِ بِمَا يَدْفَعُ هَذِهِ الْحُجَجَ أَوْ يُبَيِّنُ لَهَا مَخْرَجًا.
لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ نَصٌّ نَاطِقٌ بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ قَاتَلَتْ بِالْفِعْلِ فَيَحْتَجُّ بِهِ الرَّازِيُّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الْأَصَمِّ، وَإِنَّمَا جَاءَ ذِكْرُ الْمَلَائِكَةِ فِي سِيَاقِ الْكَلَامِ عَنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ عَلَى أَنَّهَا وَعْدٌ مِنَ اللهِ - تَعَالَى - بِإِمْدَادِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ،
وَفَسَّرَ هَذَا الْإِمْدَادَ بِقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ -: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ [٨: ١٢] قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي مَعْنَى التَّثْبِيتِ (ج ٩ ص ١٩٧)

صفحة رقم 93

" يَقُولُ قَوَّوْا عَزْمَهُمْ وَصَحَّحُوا نِيَّاتِهِمْ فِي قِتَالِ عَدُوِّهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ مَعُونَتَهُمْ إِيَّاهُمْ بِقِتَالِ أَعْدَائِهِمْ " فَأَنْتَ تَرَى أَنَّهُ جَزَمَ بِأَنَّ عَمَلَ الْمَلَائِكَةِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إِنَّمَا كَانَ مَوْضُوعُهُ الْقُلُوبَ بِتَقْوِيَةِ عَزِيمَتِهَا، وَتَصْحِيحِ نِيَّتِهَا، وَذَكَرَ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ بِمَعُونَتِهِمْ فِي الْقِتَالِ بِصِيغَةٍ تَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ " قِيلَ " وَجُعِلَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ إِلَخْ مِنْ تَتِمَّةِ خِطَابِ اللهِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ الظَّاهِرُ. وَبَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ يَجْعَلُهُ بَيَانًا لِمَا تُثَبِّتُ بِهِ الْمَلَائِكَةُ النُّفُوسَ، أَيْ إِنَّهَا تُلْقِي فِيهَا اعْتِقَادَ إِلْقَاءِ اللهِ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِ الْمُشْرِكِينَ إِلَخْ.
وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا قَالَهُ الْأَصَمُّ وَلَا يَبْقَى مَحَلٌّ لِحُجَجِهِ فَإِنَّهُ لَا يُنْكَرُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ أَرْوَاحٌ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَهَا اتِّصَالٌ مَا بِأَرْوَاحِ بَعْضِ الْبَشَرِ وَتَأْثِيرٌ فِيهَا بِالْإِلْهَامِ أَوْ تَقْوِيَةِ الْعَزَائِمِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرَى كَمَا قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ.
هَذَا مَا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَسَيَأْتِي بَسْطُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَنْفَالِ - إِنْ أَحْيَانَا اللهُ تَعَالَى - وَأَمَّا يَوْمُ أُحُدٍ فَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ إِمْدَادٌ بِالْمَلَائِكَةِ وَلَا وَعْدٌ مِنَ اللهِ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ اللهُ عَنْ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ لِأَصْحَابِهِ وَجَعَلَ الْوَعْدَ بِهِ مُعَلَّقًا عَلَى ثَلَاثَةِ أُمُورٍ: الصَّبْرِ وَالتَّقْوَى وَإِتْيَانِ الْأَعْدَاءِ مِنْ فَوْرِهِمْ، وَلَمْ تَتَحَقَّقْ هَذِهِ الشُّرُوطُ فَلَمْ يَحْصُلِ الْإِمْدَادُ - كَمَا تَقَدَّمَ - وَلَكِنَّ الْقَوْلَ أَفَادَ الْبِشَارَةَ وَالطُّمَأْنِينَةَ.
وَبَقِيَ أَنْ يُقَالَ: مَا الْحِكْمَةُ وَمَا السَّبَبُ فِي إِمْدَادِ اللهِ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ بَدْرٍ بِمَلَائِكَةٍ يُثَبِّتُونَ قُلُوبَهُمْ وَحِرْمَانِهِمْ مِنْ ذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ حَتَّى أَصَابَ الْعَدُوُّ مِنْهُمْ مَا أَصَابَ؟.
وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ يُعْلَمُ مِنِ اخْتِلَافِ حَالِ الْمُؤْمِنِينَ فِي ذَيْنَكِ الْيَوْمَيْنِ فَنَذْكُرُهُ هُنَا مُجْمَلًا مَعَ بَيَانِ فَلْسَفَتِهِ الرُّوحَانِيَّةِ، وَنَدَعُ التَّفْصِيلَ فِيهِ إِلَى تَفْسِيرِ الْآيَاتِ هُنَا وَفِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ، فَإِنَّ مَا هُنَا تَفْصِيلٌ لِمَا فِي وَقْعَةِ أُحُدٍ مِنَ الْحِكَمِ، وَمَا فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ تَفْصِيلٌ لِمَا كَانَ فِي وَقْعَةِ بَدْرٍ مِنْ ذَلِكَ.
كَانَ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ بَدْرٍ فِي قِلَّةٍ وَذِلَّةٍ مِنَ الضَّعْفِ وَالْحَاجَةِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمُ اعْتِمَادٌ إِلَّا عَلَى اللهِ - تَعَالَى - وَمَا وَهَبَهُمْ مِنْ قُوَّةٍ فِي أَبْدَانِهِمْ وَنُفُوسِهِمْ، وَمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنَ الثَّبَاتِ وَالذِّكْرِ إِذْ قَالَ: إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [٨: ٤٥] فَبَذَلُوا كُلَّ قُوَاهُمْ وَامْتَثَلُوا أَمْرَ رَبِّهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ فِي نُفُوسِهِمِ اسْتِشْرَافٌ إِلَى شَيْءٍ مَا غَيْرَ نَصْرِ اللهِ وَإِقَامَةِ دِينِهِ وَالذَّوْدِ عَنْ نَبِيِّهِ لَا فِي أَوَّلِ الْقِتَالِ وَلَا فِي أَثْنَائِهِ، فَكَانَتْ أَرْوَاحُهُمْ بِهَذَا الْإِيمَانِ وَهَذَا الصَّفَاءِ قَدْ عَلَتْ وَارْتَقَتْ حَتَّى اسْتَعَدَّتْ لِقَبُولِ الْإِلْهَامِ مِنْ أَرْوَاحِ الْمَلَائِكَةِ وَالتَّقْوَى بِنَوْعٍ مَا مِنَ الِاتِّصَالِ بِهَا.
وَأَمَّا يَوْمَ أُحُدٍ فَقَدْ كَانَ بَعْضُهُمْ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنَ الِافْتِتَانِ بِمَا كَانَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَلِذَلِكَ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْهُمْ أَنْ تَفْشَلَا، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَمَّا تَثَبَّتُوا وَبَاشَرُوا الْقِتَالَ انْتَصَرُوا وَهَزَمُوا

صفحة رقم 94

الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ هُمْ أَكْثَرُ مِنْهُمْ، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ خَرَجَ بَعْضُهُمْ عَنِ التَّقْوَى وَخَالَفُوا أَمْرَ الرَّسُولِ، وَطَمِعُوا فِي الْغَنِيمَةِ وَفَشِلُوا وَتَنَازَعُوا فِي الْأَمْرِ فَضَعُفَ اسْتِعْدَادُ أَرْوَاحِهِمْ، فَلَمْ تَرْتَقِ إِلَى أَهْلِيَّةِ الِاسْتِمْدَادِ مِنْ أَرْوَاحِ الْمَلَائِكَةِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْهُمْ مَدَدٌ ; لِأَنَّ الْإِمْدَادَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى حَسَبِ الِاسْتِعْدَادِ.
هَذَا هُوَ السَّبَبُ لِمَا حَصَلَ بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ لَنَا، وَأَمَّا حِكْمَتُهُ فَهِيَ تَمْحِيصُ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ: وَلِيُمَحِّصَ اللهُ [٣: ١٤١] إِلَخْ. وَتَرْبِيَتُهُمْ بِالْفِعْلِ عَلَى إِقَامَةِ سُنَنِ اللهِ - تَعَالَى - فِي الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبِّبَاتِ كَمَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ [٣: ١٣٧] وَبَيَانُ أَنَّ هَذِهِ السُّنَنَ حَاكِمَةٌ حَتَّى عَلَى الرَّسُولِ، وَأَنَّ قَتْلَ الرَّسُولِ أَوْ مَوْتَهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُثَبِّطًا لِلْهِمَمِ وَلَا دَاعِيَةً إِلَى الِانْقِلَابِ عَلَى الْأَعْقَابِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِنْ أَمْرِ الْعِبَادِ شَيْءٌ، وَأَنَّ كُلَّ مَا يُصِيبُهُمْ مِنَ الْمَصَائِبِ فَهُوَ نَتِيجَةُ عَمَلِهِمْ إِذْ هُوَ عُقُوبَةٌ طَبِيعِيَّةٌ لَهُمْ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا بَيَّنَهُ اللهُ - تَعَالَى - فِي قَوْلِهِ: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ [٣: ١٦٥] إِلَخْ، وَقَوْلِهِ: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ [٣: ١٤٤] إِلَخْ وَغَيْرِهِمَا فَلَا نَتَعَجَّلُهُ قَبْلَ الْكَلَامِ فِي تَفْسِيرِ الْآيَاتِ النَّاطِقَةِ بِهِ وَمَا هِيَ بِبَعِيدٍ.
وَمِنْ نُكَتِ الْبَلَاغَةِ الْمُؤَيِّدَةِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنِ اخْتِلَافِ الْحَالَيْنِ فِي الْوَقْعَتَيْنِ: أَنَّهُ - تَعَالَى - قَالَ هُنَا: وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَقَالَ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ: وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ [٨: ١٠] وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ مَا تَطْمَئِنُّ بِهِ قُلُوبُهُمْ غَيْرُ وَعْدِ اللهِ وَبِشَارَتِهِ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ; وَلِذَلِكَ كَانَ مِنْ دُعَائِهِ يَوْمَئِذٍ: اللهُمَّ
أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ إِنْ تَهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ فَلَنْ تُعْبَدَ فِي الْأَرْضِ أَبَدًا قَالَ عُمَرُ رَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ: فَمَا زَالَ يَسْتَغِيثُ رَبَّهُ وَيَدْعُوهُ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَرَدَّاهُ ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ لِرَبِّكَ فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ. وَأَنْزَلَ اللهُ يَوْمَئِذٍ: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ [٨: ٩] الْآيَةَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا. فَكَانَ بِهَذَا الْوَعْدِ اطْمِئْنَانُ قُلُوبِهِمْ لَا بِسِوَاهُ ; فَلِذَلِكَ قَدَّمَ (بِهِ) عَلَى (قُلُوبُكُمْ) وَأَمَّا فِي يَوْمِ أُحُدٍ فَلَمْ تَكُنِ الْحَالُ كَذَلِكَ - كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ آنِفًا - فَلَمْ تَعُدِ الْبِشَارَةُ أَنْ تَكُونَ مِمَّا يَطْمَئِنُّ بِهِ الْقَلْبُ فَقَالَ: وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْرٍ. ثُمَّ قَالَ - تَعَالَى -:
لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ ذَهَبَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ هَذَا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَبَعْضٌ آخَرُ إِلَى أَنَّهُ مِنَ الْكَلَامِ فِي وَقْعَةِ أُحُدٍ الْمَقْصُودَةِ بِالذَّاتِ، فَإِنَّ ذِكْرَ النَّصْرِ بِبَدْرٍ إِنَّمَا جَاءَ اسْتِطْرَادًا ; وَلِذَلِكَ أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ الْمَلَائِكَةِ الثَّلَاثَةِ الْآلَافِ وَالْخَمْسَةِ الْآلَافِ مُتَعَلِّقًا بِهِ - وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا ; أَيْ إِنَّهُ فَعَلَ مَا فَعَلَ لِيَقْطَعَ طَرَفًا، أَوْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِهِ لِيَقْطَعَ طَرَفًا. وَمَعْنَى قَطْعِ الطَّرَفِ مِنْهُمْ إِهْلَاكُ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ، يُقَالُ: " قُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ " إِذَا هَلَكُوا، وَقَدْ نَطَقَ بِهِ التَّنْزِيلُ، وَعَبَّرَ عَنْ

صفحة رقم 95

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني

الناشر 1990 م
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية