استطراد إليه الحاجة :
من هذه الآيات إلى ستين آية بعدها نزلت في غزوة أحد فوجب ذكر طرف من أخبار هذه الواقعة ليستعين به القارئ على فهمها و يعرف مواقع أخبارها و يستيقن من حكمها و أحكامها.
و لكن عليك أن تعرف قبل هذا أن قريشا اغتاظت من هجرة النبي صلى الله عليه و سلم و أصحابه إلى المدينة و حقدوا على أهلها إيواءهم للمسلمين و تهددوهم فكان لا بد من الاستعداد للدفاع و قد صار النبي صلى الله عليه و سلم داعية للدين و رئسا لحكومة المدينة وقائدا لجيشها.
هذا و قد أدى دفاع المسلمين عن أنفسهم إلى سلسلة من الغزوات بها انتشر الإسلام بسرعة لم تعهد في التاريخ و قد اشترك النبي صلى الله عليه و سلم في تسع منها أشهرها.
وقعة بدر :
كانت قريش ترى أن محمدا و أصحابه شرذمة من الثوار يجب أن تقتل ولا سيما بعد أن صارت لهم القوة في المدينة وهي على طريق التجارة إلى الشام فجد المسلمون في مهاجمة قوافل مكة و نالوا أول انتصار لهم في السنة الثانية من الهجرة في غزوة بدر-بئر بين مكة و المدينة كانت لرجل يسمى بدرا فسميت باسمه- و كانت هذه الوقعة نصرا مؤزرا للمسلمين و كارثة كبرى على المشركين وكان لها دوي عظيم في أرجاء البلاد العربية من أقصاها إلى أقصاها.
وقعة أحد على نحو ميل من المدينة إلى الشمال :
و لما خذل المشركون في وقعة بدر ورجع فَلُّهم إلى مكة مقهورين- أخذ أبو سفيان يؤِلب المشركين على الرسول صلى الله عليه و سلم إذ كان هو الرئيس بعد مقتل من قتل من صناديد قريش فاجتمعوا للحرب و كانوا نحو ثلاثة آلاف فيهم سبعمائة دراع و معهم مائتا فرس فاجتمعوا للحرب و كانوا ثلاثة آلاف فيهم سبعمائة دراع و معهم مائتا فرس وقائدهم أبو سفيان بن حرب و معه زوجه هند بنت عتبة وكان جملة النساء خمس عشرة امرأة و معهن الدفوف يضربن بها و يبكين على قتلى بدر و يحرضن المشركين على حرب المسلمين و ساروا من مكة حتى نزلوا مقابل المدينة في شوال سنة ثلاثة من الهجرة و كان رأي رسول الله صلى الله عليه و سلم المقام في المدينة و قتالهم بها و رأى باقي الصحابة الخروج لقتالهم فخرج في ألف من الصحابة إلى أن صار بين المدينة و أحد فانخذل عنه عبد الله بن أبي ابن سلول في ثلث الناس و نزل رسول الله صلى الله عليه و سلم الشعب من أحد و جعل ظهره إلى الجبل و كان عدة أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم سبعمائة فيهم مائة دراع و لم يكن معهم من الخيل سوى فرسين و كان لواء رسول الله صلى الله عليه و سلم مع مصعب ابن عمير و على ميمنة المشركين خالد بن الوليد و على مسيرتهم عكرمة بن أبي جهل ولواؤهم مع بني عبد الدار.
ولما التقى الجمعان قامت هند زوج أبي سفيان و معها النسوة يضربن الدفوف و هي تقول :
ويهــا بني عبــد الــدار ويهــا حمــاة الأدبـــار ضربــا بكــــل بتـــار
وقاتل حمزة قتالا شديدا و لما قتل مصعب ابن عمير أعطى النبي صلى الله عليه و سلم الراية لعلي بن أبي طالب.
ولما انهزم المشركون طمعت الرماة في الغنيمة وفارقوا المكان الذي أمرهم النبي صلى الله عليه و سلم بملازمته فأتى خالد بن الوليد مع خيل المشركين من خلف المسلمين ووقع الصراخ أن محمد قد قتل وانكشف المسلمون وأصاب العدو منهم و كان يوم بلاء على المسلمين وكان عدة الشهداء من المسلمين سبعين رجلا و عدة قتلى المشركين اثنين و عشرين رجلا ووصل العدو إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم و أصابته حجارتهم حتى وقع وأصيبت رباعيته و شج في وجهه و كلمت شفته و جعل الدم يسيل على و جهه و هو يقول : كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم و جعل يدعوهم إلى ربهم فنزل قوله تعالى : ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون .
و دخلت حلقتان من حلق المعفر في وجه رسول الله صلى الله عليه و سلم في الشجة و نزع أبو عبيدة بن الجراح إحدى الحلقتين من وجهه صلى الله عليه و سلم فسقطت ثنية من ثنياته ثم نزع الأخرى فسقطت ثنيته الأخرى و امتص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الدم من وجنتيه و طمع فيه المشركون وأدركوه يريدون منه ما الله عاصمه منه كما قال : وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ( المائدة : ٦٧ ) و أصابت طلحة يومئذ ضربة شديدة شلت يده و هو يدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم و مثلت هند و صواحبها بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجدعن الأنوف و صلمن الآذان واتخذن منها قلائد و بقرب هند عن كبد حمزة ولاكتها ولم تستسغها وضرب أبو سفيان شدق حمزة بزج الرمح و صعد الجبل و صرخ بأعلى صوته الحرب سجال يوم بيوم بدر أُعْلُ هبل ( صنم الكعبة ) أي ظهر دينك.
ولما انصرف أبو سفيان ومن معه نادى : إن موعدكم بدر العام القابل فقال النبي صلى الله عليه و سلم :" قولوا له : هو بيننا و بينكم " ثم سار المشركون إلى مكة و بحث رسول الله صلى الله عليه و سلم عن عمه حمزة فوجده مقبور البطن مجدوع الأنف مصلوم الأذن فقال : لئن أظهرني الله عليهم لأمثلن بثلاثين منهم ثم أمر أن يسجى عمه ببردته ثم صلى عليه فكبر سبع تكبيرات ثم أتى بالقتلى فوضعهم إلى جانب حمزة واحد بعد واحد حتى صلى عليهم ثنتين وسبعين صلاة ثم أمر بحمزة فدفن واحتمل ناس من المسلمين قتلاهم إلى المدينة فدفنوهم بها ثم نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن ذلك وقال ادفنوهم حيث صُرِعوا.
وإذا علمت ما تقدم سهل عليك فهم هذه الآيات و ما بعدها مما له صلة بهذه الوقعة الهامة في تاريخ الإسلام و ما فيها من عظة و
عبرة للمسلمين فقد كانت نبراسا لهم في كل حروبهم و أعمالهم في حياة النبي صلى الله عليه و سلم و بعده- إذ علموا أن مخالفة القائد الأعظم لها الآثار و أن كل ما حدث فيها إنما جر إليه الطمع في الغنيمة و جمع حطام الدنيا وهو زائل و عرض مفارق.
المعنى الجملي : بعد أن نهى الله المؤمنين عن اتخاذ بطانة من الأعداء الذين كاشفوهم بالعداوة ثم أعملهم ببغضهم إياهم ثم أمرهم بالصبر و التقوى وأنهم إذا فعلوا ذلك لا يضرهم كيدهم شيئا – ذكرهم في هذه الآيات بوقعة أحد و ما كان فيها من كيد النافقين إذ أذاعوا عن المؤمنين من قالة السوء ما أذاعوا ثم خرجوا معهم وانشقوا عنهم في الطريق و رجعوا بثلث الجيش ليوقعوا الفشل بين صفوفهم و يخذلونهم أمام عدوهم و ما كان من كيد المشركين وتألبهم عليهم و لم يكن لذلك من واق إلا الصبر حتى عن الغنيمة التي طمع فيها الرماة فتركوا موقعهم و إلا تقوى الله ومن أهم دعائمها طاعة الرسول فيما به أمر و عنه نهى و ذكرهم أيضا بما كان يوم بدر من نصرهم على عدوهم على قلتهم إذ جعلوا الصبر جنتهم و تقوى الله عدتهم فأصابوا من عدوهم ما أصابوا و كان لهم الفلج عليهم مما لا يزال مكتوبا في صحيفة الدهر مثلا خالدا لصدق العزيمة و البعد عن مطامع هذه الحياة.
و ما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به قال الزجاج : وما جعل الله ذكر المدد إلا بشرى اه.
يعني وما جعل الله ذلك القول الذي قاله الرسول لكم ألن يكفيكم الآية إلا بشرى يفرخ بها روعكم و طمأنينة لقلوبكم التي طرقها الخوف من كثرة عدد عدوكم و عظيم استعداده.
وفي هذا الإيماء إلى أن في ذكر الإمداد غايتين :
( ١ ) إدخال السرور في القلوب
( ٢ )حصول الطمأنينة ببيان أن معونة الله و نصرته معهم، فلا يجبنوا عن المحاربة.
وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم العزيز هو القوي الذي لا يمتنع عليه شيء و الحكيم هو الذي يدبر الأمور على خير السنن و أقوم الوسائل فيهدي لأسباب النصر الظاهرة و الباطنة من يشاء و يصرفهما عمن يشاء.
و المراد : أنه يجب توكلكم على الله لا على الملائكة فيجب على العبد ألا يتكل على الأسباب فقط بل يقبل على مسبب الأسباب إذ هو الذي لا يعجز عن إجابة الدعوات فعليكم ألا تتوقعوا النصر إلا من رحمته ولا المعونة إلا من فضله و كرمه.
فإن حصل الإمداد بالملائكة فليس ذلك إلا جزءا من أسباب النصر وهناك أسباب أخرى كإلقاء الرعب في قلوب الأعداء و معرفة المواقع كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم إذ سلك إلى احد أقرب الطرق و أخفاها على العدو و عسكر في أحسن موضع وهو الشعب ( الوادي ) و جعل ظهر عسكره إلى الجبل وجعل الرماة من ورائهم إلى نحو ذلك من الأسباب التي تمكنه من الظهور على عدوه و الغلبة عليه.
فلما اختل بعض هذه التدبيرات وفات الرماة مواضعهم لم ينتصروا.
و الذي عليه أهل العلم أنه لم يحصل يوم أحد إمداد بالملائكة ولا وعد من الله بذلك وإنما أخبر عن رسوله صلى الله عليه وسلم أنه قال ذلك لأصحابه وجعل الوعد به معلقا على شروط ثلاثة :
( ١ ) الصبر ( ٢ ) التقوى ( ٣ ) إتيان الأعداء من فورهم ولم تتحقق هذه الشروط فلم يحصل الإمداد و لكن القول أفاد البشارة و الطمأنينة.
وحصل الإمداد بالفعل في وقعة بدر كما تقدم ذكره و سيأتي مزيد تفصيل له في سورة الأنفال و ربما سأل سائل عن الفارق بين اليومين فقال : لم أمد الله المؤمنين يوم بدر بملائكته يثبتون قلوبهم و حرمهم من ذلك يوم أحد حتى أصاب العدو منهم ما أصاب
و جوابنا عن هذا أن المؤمنين كانوا يوم بدر في قلة و ذلة من الضعف و الحاجة فلم يكن لهم اعتماد إلا على الله و ما وهبهم من قوة في أبدانهم و نفوسهم وما أمرهم به من التبات و الذكر إذ قال : إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ ( الأنفال : ٤٥ ).
ولم يكن في نفوسهم تطلع إلى شيء سوى النصر وإقامة الدين و الدفاع عن حوزته فكانت أرواحهم بهذا الإيمان مستعدة لقبول الإلهام من أرواح الملائكة والتقوى بالاتصال بها.
أما في يوم أحد فقد كان بعضهم في أول القتال قريبا من الافتتان بما كان من المنافقين ومن ثم همت طائفتان منهم أن تفشلا و لكن الله ثبتهما و باشرا القتال مع بقية المؤمنين حتى انتصروا و هزموا المشركين ثم خرج بعضهم عن التقوى و خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم و طمعوا في الغنيمة وتنازعوا في الأمر ففشلوا وضعف استعداد أرواحهم فلم ترتق إلى الاستمداد من أرواح الملائكة فلم يكن لهم منهم مدد.
و حكمة ما حصل تمحيص المؤمنين كما سيأتي في قوله : وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ ( آل عمران : ١٤١ )
و تربيتهم بالفعل على إقامة سنن الله تعالى في ارتباط الأسباب بالمسببات و معرفة أن هذه السنن حاكمة حتى على الرسول وأن قتل الرسول أو مونه لا ينبغي أن يثبط الهمم ولا يدعوا إلى الانقلاب على الإعقاب وأن كل ما يصيب العباد من مصائب فهو نتيجة عملهم و عقوبة طبيعية على أفعالهم إلى نحو ذلك من الأسرار التي ستعلمها بعد.
روي أحمد و مسلم و غيرهما عن عمر بن الخطاب : أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يدعو يوم بدر " اللهم أنجز ما وعدتني، اللهم أنجز ما وعدتني اللهم عن تهلك هذه العصابة فلن يعبد في الأرض أبدا " وما زال يستغيث ربه و يدعوه حتى سقط رداؤه فأتاه أبو بكر فأخذ رداؤه فرداه به ثم التزمه من ورائه ثم قال : يا نبي الله كفاك مناشدتك لربك فإنه سينجز لك ما وعدك و أنزل الله يومئذ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ ( الأنفال : ٩ )
تفسير المراغي
المراغي