ﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛ

( وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم ).
إن هذه الآيات وعشرات بعدها نزلت في شأن غزوة أحد ويتوقف فهمها على الوقوف على قصة تلك الغزوة ولو إجمالا. فوجب لذلك أن نأتي قبل تفسيرها بما يعين القارئ على فهمهما ويبين له مواقع تلك الأخبار وما فيها من الحكم والأحكام، فنقول :
غزوة أحد١
لما خذل الله المشركين في غزوة بدر ورجع فلهم إلى مكة مقهورين موتورين نذر أبو سفيان بن حرب أن لا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدا صلى الله عليه وسلم، فخرج في مائة رجل من قريش حتى أتى بني النضير ليلا وبات ليلة واحدة عند سلام بن مشكم اليهودي سيد بني النضير وصاحب كنزهم فسقاه الخمر وبطن له من خبر الناس ؛ ثم خرج في عقب ليلته وأرسل أصحابه إلى ناحية من المدينة، يقال لها العريض، فقطعوا وحرقوا صوراً٢ من النخل ورأوا رجلا من الأنصار وحليفا له فقتلوهما ونذر به٣ رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج في طلبه ؛ فلم يدركهم، لأنهم فروا وألقوا سويقا كثيرا من أزوادهم يتخففون به فسميت غزوة السويق، وكانت بعد بدر بشهرين، وإنما ذكرناها قبل ذكر أحد ليعلم القارئ أن العدوان من المشركين على المسلمين كان متصلا متلاحقا ! !.
ولما رجع أبو سفيان إلى مكة أخذ يؤلب على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين وكان بعد قتل صناديد قريش في بدر هو السيد الرئيس فيهم، لذلك كلمه في أمر المسلمين الموتورون من عظماء قريش، كعبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية ليبذل مال العير التي جاء بها من الشام في أخذ الثأر فرضي هو وأصحاب العير بذلك، وكان مال العير كما في السيرة الحلبية خمسين ألف دينار بحت مثلها فبذلوا الربح في هذه الحرب فاجتمعت قريش للحرب حين فعل ذلك أبو سفيان بن حرب وخرجت بحدها٤ وجدها٥ وأحابيشها٦ ومن أطاعها من قبائل كنانة وأهل تهامة فكانوا نحو ثلاثة آلاف وأخذوا معهم نساءهم التماس الحفيظة وأن لا يفروا فإن الفرار بالنساء عسر والفرار دونهن عار. وكان مع أبي سفيان وهو القائد زوجه هند ابنة عتبة، فكانت تحرض الغلام وحشيا الحبشي الذي أرسله مولاه جبير بن مطعم ليقتل حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم بعمه طعمة بن عدي الذي قتل ببدر، وقد علق عتقه على قتله. وكان هذا الحبشي ماهرا في الرمي بالحربة على بعد، قلما يخطئ فكانت هند كلما رأته في الجيش تقول له :" ويها أبا دسمة أشف واشتف " تخاطبه بالكنية تكريما له. وذكر الحلبي أنهم ساروا أيضا بالقيان والدفوف والمعازف والخمور.
نزل أبو سفيان بجيشه قريبا من أحد في مكان يقال له " عينين " ٧ على شفير الوادي مقابل المدينة وكان ذلك في شوال من السنة الثالثة، فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك استشار أصحابه كعادته أيخرج إليهم ؟ أم يمكث في المدينة ؟ وكان رأيه هو أن يتحصنوا بالمدينة فإن دخلها العدو عليهم قاتلوه على أفواه الأزقة والنساء من فوق البيوت، ووافقه على هذا الرأي أكابر المهاجرين والأنصار، كما في السيرة الحلبية وعبد الله بن أبي، وكان هو الرأي. وأشار عليه جماعة من الصحابة أكثرهم من الأحداث وممن كان فاتهم الخروج يوم بدر بان يخرج إليهم لشدة رغبتهم في القتال فما زالوا يلحون على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل فلبس لأمته٨ بعد صلاة الجمعة وكان قد أوصاهم في خطبتها ووعدهم بأن لهم النصر ما صبروا، ثم خرج عليهم وقد ندم الناس وقالوا استكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن لنا ذلك، وقالوا له استكرهناك ولم يكن لنا ذلك فإن شئت فاقعد فقال " ما كان لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه " ٩ أي لما فسخ العزيمة بعد إحكامها وتوثيقها من الضعف ومبادئ الفشل وسوء الأسوة. وفي سحر يوم السبت خرج بألف من أصحابه واستعمل بالمدينة عبد الله ابن أم مكتوم الأعمى على الصلاة بمن يقي فيها.
فلما كانوا بالشوط بين المدينة وأحد انعزل عنه عبد الله بن أبي ابن سلول رئيس المنافقين بنحو ثلث العسكر ( وهم ٣٠٠ ) وقال أطاعهم وعصاني – وفي رواية أطاع الولدان ومن لا رأي له- فما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس. فرجع بمن اتبعه من قومه أهل النفاق والريب، فتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة يقول : يا قوم أذكركم الله أن لا تخذلوا قومكم ونبيكم، تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا. قالوا : لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع ولكن نرى أنه لا يكون قتال. وقد كان المسلمون نحو ثلث المشركين الذين خرجوا إليهم فأمسوا وقد ذهب من الثلث نحو ثلثه، وهمت بنو سلمة من الأوس وبنو حارثة من الخزرج أن تفشلا فعصمهما الله تعالى.
وقد كان خروج المنافقين منهم خيرا لهم كما قال تعالى في مثل ذلك يوم تبوك ( لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ) [ التوبة : ٤٧ ] الآية، وإنما ارتأى عبد الله بن أبي عدم الخروج ليكتفي أمر القتال أو خطره حرصا على الحياة وإيثارا لها على إعلاء كلمة الله. فكان على موافقته للرسول في الرأي مخالفا له في سببه وعلته، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يراعي في جميع حروبه التي كانت كلها دفاعا قاعدة ارتكاب أخف الضررين وأبعد الأمرين عن العدوان رحمة بالناس وإيثارا للسلام. وتعزر رأيه المبني على هذه السنة برؤيا رآها قبل ذلك ؛ وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. رأى أن في سيفه ثلمة ورأى أن بقرا تذبح وأنه أدخل يده في درع حصينة فتأول الثلمة في سيفه برجل يصاب من أهل بيته فكان ذلك الرجل حمزة عمه رضي الله عنه- وتأول البقر بنفر من أصحابه يقتلون، وتأول الدرع بالمدينة.
ولكنه على هذا كله عمل برأي الجمهور من أصحابه إقامة لقاعدة الشورى التي أمره الله بها وهو لم يخالف بذلك قاعدة ارتكاب أخف الضررين، بل جرى عليها لأن مخالفة رأي الجمهور ولو إلى خير الأمرين هضم لحق الجماعة وإخلال بأمر الشورى التي هي أساس الخير كله. وإنما كان يكون المكث في المدينة خيرا من الخروج إلى العدو في أحد لو لم يكن مخلا بقاعدة الشورى كما هو ظاهر، فكيف ترك المسلمون هذا الهدي النبوي الأعلى ورضوا بأن يكون ملوكهم وأمراؤهم مستبدين بالأحكام والمصالح العامة يديرون دولابها بأهوائهم التي لا تتفق مع الدين ولا مع العقل ؟ ؟
وسأل قوم من الأنصار النبي صلى الله عليه وسلم أن يستعينوا بحلفائهم من اليهود فأبى وكان في الحقيقة ضلع اليهود مع المشركين، ولم يكونوا في عهودهم بموفين.
ومضى النبي بأصحابه حتى مر بهم في خرة بني حارثة وقال لهم " من رجل يخرج بنا على القوم من كثب- قرب- لا يمر بنا عليهم ؟ " فقال أبو خيثمة أخو بني حارثة بن الحارث : أنا يا رسول الله فنفذ به في حرة قومه بني حارثة وبين أموالهم حتى سلك في مال لمربع بن قيظي وكان رجلا منافقا ضرير البصر. فلما سمع حس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قام يحثو في وجوههم التراب ويقول : إن كنت رسول الله فلا أحل لك أن تدخل حائطي. قال ابن هشام : وقد ذكر لي أنه أخذ حفنة من تراب في يده ثم قال : والله لو أني أعلم أني لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك. فابتدره القوم ليقتلوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تقتلوه فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر ". وفي هذه المسألة من علم النبي بفن الحرب الإرشاد إلى اختيار أقرب الطرق إلى العدو وأخفاها عنه، وذلك يتوقف على العلم بخرت الأرض الذي يعرف اليوم بعلم الجغرافية وإباحة المرور في ملك الناس عند الحاجة إلى ذلك، لتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة. وفيها من رحمته صلى الله عليه وسلم أنه لم يأذن بقتل ذلك المنافق المجاهر بعدائه ؛ بل رحمه وعذره. ولم تكن المصلحة العامة تتوقف على قتله. ولم تكن العرب قبل الإسلام تراعي هذه الدقة في حفظ الدماء، بل قلما تراعيه أمة من الأمم في زمن الحروب.
ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل الشعب من جبل أحد في عدوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد وقال " لا يقاتلن أحد حتى نأمر بالقتال " وفي ذلك من أحكام الحرب أن الرئيس هو الذي يفتحها، وما كانت العرب تراعي ذلك دائما لا سيما إذا حدث ما يثير حميتهم، وقد امتثلوا الأمر على استشراف. ولذلك قال بعض الأنصار- وقد رأى قريشا قد سرحت الظهر والكراع في زروع المسلمين - أترعى زروع بني قيلة ولما نضارب ؟ وفيه من الفوائد ما لا محل لشرحه هنا.
فلما أصبح يوم السبت تعبى للقتال وهو في سبع مائة فيهم خمسون فارسا، وظاهر بين درعين- أي لبس درعا فوق درع- واستعمل على الرماة- وكانوا خمسين- عبد الله بن جبير أخا بني عمرو بن عوف، وهو معلم يومئذ بثياب بيض وقال " انضح الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا، وإن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك ". ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير أخي بني عبد الدار، وجعل على إحدى المجنبتين الزبير بن العوام وعلى الأخرى المنذر بن عمرو.
ثم استعرض صلى الله عليه وسلم الشبان يومئذ، فرد من استصغره عن القتال وهم ١٧ وأحاز أفرادا من أبناء الخامسة عشرة، قيل لسنهم وقيل لبنيتهم وطاقتهم، ولعله الصواب. فإنه كان قد رد سمرة بن جندب، ورافع بن خديج ولهما خمس عشرة سنة، فقيل له يا رسول الله ؛ إن رافعا رام فأجازه، فقيل له فإن سمرة يصرع رافعا. فأجازه. وروي أنهما تصارعا أمامه ورد عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وعمرو بن حزم وأسيد بن ظهير والبراء بن عازب ثم أجازهم يوم الخندق، وهم أبناء خمس عشرة إذ كانوا يطيقون القتال في هذه السن كما هو الغالب في العرب يومئذ.
وتعبت قريش وهم ثلاث آلاف رجل معهم مائتا فرس قد جنبوها، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل وابتدأت الحرب بالمبارزة.
ولما اشتبك القتال والتقى الناس بعضهم ببعض قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها وأخذن الدفوف يضربن خلف الرجال ويحرضنهم فقالت هند فيما تقول :
ويهاً بني عبد الدارْ *** ويهاً حماة الأدبارْ
ضرباً بكل بتارْ
إن تقبلوا نعانقْ *** ونفرش النمارق
أو تدبروا نفارقْ *** فراق غير وامقْ١٠
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عند سماع نشيد النساء " اللهم بك أحول وبك أصول ؛ وفيك أقاتل، حسبي الله ونعم الوكيل " ١١.
وكان أول من بدر من المشركين أبو عامر عبد بن عمرو بن صيفي وكان رأس الأوس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام شرق به وجاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعداوة وخرج من المدينة إلى مكة يؤلب قريشا على قتاله، ويزعم أن قومه إذا رأوه أطاعوه ومالوا معه وكان يسمى الراهب فسماه ال
وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم قال ابن جرير : يعني تعالى ذكره وما جعل الله وعده إياكم ما وعدكم به من إمداده إياكم بالملائكة الذين ذكر عددهم إلا بشرى لكم يبشركم بها ولتطمئن قلوبكم به يقول وكي تطمئن بوعده الذي وعدكم من ذلك قلوبكم فتسكن إليه ولا تجزع من كثرة عدد عدوكم وقلة عددكم وما النصر إلا من عند الله يعني وما ظفركم إن ظفرتم بعدوكم إلا بعون الله لا من قبل المدد الذي يأتيكم من الملائكة ا ه.
وأقول : الظاهر أن يكون التقدير وما جعل الله ذلك القول الذي قاله لكم الرسول وهو : ألن يكفيكم الخ إلا بشرى يفرح بها روعكم وتنبسط به أسارير وجوهكم وطمأنينة لقلوبكم التي طرقها الخوف من كثرة عدوكم واستعدادهم. أي إن قول الرسول له هذا التأثير في تقوية القلوب وتثبيت النفوس. وإنما أرجعنا ضمير " جعله " إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم لا إلى وعد الله عز وجل لأن الآيتين السابقتين ليستا وعدا من الله بالإمداد بالملائكة وإنما هما إخبار عما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم. فقد أخبر تعالى في تينك الآيتين أن رسوله قال لأصحابه ذلك القول وبيّن في هذه الآية فائدة ذلك القول ومنفعته مع بيان الحقيقة، وهي أن النصر بيد الله العزيز أي القوى الذي لا يمتنع عليه شيء، الحكيم الذي يدبر الأمر على خير سنن، ويقيمه بأحسن سنن ؛ فيهدي لأسباب النصر الظاهرة والباطنة من يشاء ؛ ويصرف عنهما من يشاء، فإن حصل الإمداد بالملائكة فعلا فما يكون إلا جزءا من أجزاء سبب النصر أو فردا من أفراده، ومنه إلقاء الرعب والخوف في قلوب الأعداء، ومنه سائر الأسباب المعروفة من الصبر والثبات وحسن التدبير ومعرفة المواقع وغير ذلك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم سلك إلى أحد أقرب الطرق وأخفاها عن العدو وعسكر في أحسن موضع وهو الشعب ( الوادي ) وجعل ظهر عسكره إلى الجبل وجعل الرماة من ورائهم، فلما اختل بعض هذه التدبيرات لم ينتصروا.
وذكر بعض أهل السير أن الملائكة قاتلت يوم أحد وهو ما نفاه ابن جرير، وقد ذكرنا عبارته. بل روي عن ابن عباس أن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر، وفيما عداه كانوا عددا ومددا لا يقاتلون. وأنكر أبو بكر الأصم قتال الملائكة وقال : إن الملك الواحد يكفي في إهلاك أهل الأرض كما فعل جبريل بمدائن قوم لوط. فإذا حضر هو يوم بدر فأي حاجة إلى مقاتلة الناس مع الكفار، وبتقدير حضوره أي فائدة في إرسال سائر الملائكة ؟ وأيضا فإن أكابر الكفار كانوا مشهورين وقاتِلُ كل منهم من الصحابة معلوم، وأيضا لو قاتلوا فإما أن يكونوا بحيث يراهم الناس أو لا، وعلى الأول يكون المشاهد من عسكر الرسول ثلاثة آلاف وأكثر ولم يقل أحد بذلك، وأنه خلاف قوله : ويقللكم في أعينهم [ الأنفال : ٤٤ ] ولو كانوا في غير صورة الناس لزم وقوع الرعب الشديد في قلوب الخلق ولم ينقل ذلك ألبتة ؛ وعلى الثاني كان يلزم جز الرؤوس وتمزق البطون وإسقاط الكفار من غير مشاهدة فاعل، ومثل هذا يكون من أعظم المعجزات فكان يجب أن يتواتر ويشتهر بين الكافر والمسلم والموافق والمخالف. وأيضا إنهم لو كانوا أجساما كثيفة وجب أن يراهم الكل. وإن كانوا أجساما لطيفة هوائية فكيف ثبتوا على الخيول، ا ه ذكر ذلك الرازي والنيسابوري. فالرازي أورد هذا عن الأصم وذكر حججه مفصلة كعادته بقوله : الحجة الأولى- الحجة الثانية الخ ؛ ولخصه النيسابوري عنه بما ذكرناه واعترض الرازي عليه بأن مثل هذا إنما يصدر من غير المؤمنين، وكان يجب أن يرد عليه بما يدفع هذه الحجج أو يبيّن لها مخرجا.
ليس في القرآن الكريم نص قاطع بأن الملائكة قاتلت بالفعل فيحتج به الرازي على أبي بكر الأصم، وإنما جاء ذكر الملائكة في سياق الكلام عن غزوة بدر في سورة الأنفال على أنها وعد من الله تعالى بإمداد المؤمنين بألف من الملائكة وفسّر هذا الإمداد بقوله عز وجل : إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان [ الأنفال : ١٢ ] قال ابن جرير في معنى التثبيت :( ج ٩ ص ١٢٤ ) " يقول قووا عزمهم وصححوا نياتهم في قتال عدوهم من المشركين، وقيل : كان ذلك معونتهم إياهم بقتال أعدائهم " فأنت ترى أنه جزم بأن عمل الملائكة في ذلك اليوم إنما كان موضوعه القلوب بتقوية عزيمتها، وتصحيح نيتها، وذكر قول من قال إن ذلك كان بمعونتهم في القتال بصيغة تدل على ضعفه " قيل " وجعل قوله تعالى : سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب الخ من تتمة خطاب الله للمؤمنين وهو الظاهر. وبعض المفسرين يجعله بيانا لما تثبت به الملائكة النفوس أي إنها تلقي فيها اعتقاد إلقاء الرعب في قلوب المشركين الخ.
وبهذا يندفع ما قاله الأصم ولا يبقى محل لحججه فإنه لا ينكر أن الملائكة أرواح يمكن أن يكون لها اتصال ما بأرواح بعض البشر وتأثير فيها بالإلهام أو تقوية العزائم. ويؤيده قوله تعالى : وما جعله الله إلا بشرى كما قال مثل ذلك في هذه السورة.
هذا ما كان يوم بدر، وسيأتي بسطه في تفسير سورة الأنفال إن أحيانا الله تعالى. وأما يوم أحد فالمحققون على أنه لم يحصل إمداد بالملائكة ولا وعد من الله بذلك. وإنما أخبر الله عن رسوله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر ذلك لأصحابه وجعل الوعد به معلقا على ثلاثة أمور : الصبر والتقوى وإتيان الأعداء من فورهم، ولم تتحقق هذه الشروط فلم يحصل الإمداد كما تقدم. ولكن القول أفاد البشارة والطمأنينة.
وبقي أن يُقال : ما الحكمة وما السبب في إمداد الله المؤمنين يوم بدر بملائكة يثبتون قلوبهم، وحرمانهم من ذلك يوم أحد حتى أصاب العدو منهم ما أصاب ؟
والجواب عن ذلك يعلم من اختلاف حال المؤمنين في ذينك اليومين، فنذكره هنا مجملا مع بيان فلسفته الروحانية، وندع التفصيل فيه إلى تفسير الآيات هنا وفي سورة الأنفال. فإن ما هنا تفصيل لما في وقعة أحد من الحكم وما في سورة الأنفال تفصيل لما كان في وقعة بدر من ذلك.
كان المؤمنون يوم بدر في قلة وذلة من الضعف والحاجة فلم يكن لهم اعتماد إلا على الله تعالى وما وهبهم من قوة في أبدانهم ونفوسهم، وما أمرهم به من الثبات والذكر إذ قال : إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون [ الأنفال : ١٥ ] فبذلوا كل قواهم وامتثلوا أمر ربهم، ولم يكن في نفوسهم استشراف إلى شيء ما غير نصر الله وإقامة دينه والذود عن نبيه لا في أول القتال ولا في أثنائه، فكانت أرواحهم بهذا الإيمان وهذا الصفاء قد علت وارتقت حتى استعدت لقبول الإلهام من أرواح الملائكة والتقوى بنوع ما من الاتصال بها.
وأما يوم أحد فقد كان بعضهم في أول الأمر على مقربة من الافتتان بما كان من المنافقين، ولذلك همت طائفتان منهم أن تفشلا. ثم إنهم لما تثبتوا وباشروا القتال انتصروا وهزموا المشركين الذين هم أكثر من ثلثهم، فكان بعد ذلك أن خرج بعضهم عن التقوى وخالفوا أمر الرسول، وطمعوا في الغنيمة وفشلوا وتنازعوا في الأمر فضعف استعداد أرواحهم، فلم ترتق إلى أهلية الاستمداد من أرواح الملائكة فلم يكن لهم منهم مدد، لأن الإمداد لا يكون إلا على حسب الاستعداد.
هذا هو السبب لما حصل بحسب ما يظهر لنا. وأما حكمته فهي تمحيص المؤمنين كما سيأتي في قوله :" وليمحص الله " الخ وتربيتهم بالفعل على إقامة سنن الله تعالى في الأسباب والمسببات كما سيأتي في قوله : قد خلت من قبلكم سنن [ آل عمران : ١٣٧ ] وبيان أن هذه السنن حاكمة حتى على الرسول، وأن قتل الرسول أو موته لا ينبغي أن يكون مثبطا للهمم ولا داعية إلى الانقلاب على الأعقاب، وأنه ليس له من أمر العباد شيء، وأن كل ما يصيبهم من المصائب فهو نتيجة عملهم إذ هو عقوبة طبيعية لهم، وغير ذلك مما بينه الله تعالى في قوله : أو لما أصابتكم مصيبة [ آل عمران : ١٦٥ ] الخ وقوله : وما محمد إلا رسول [ آل عمران : ١٤٤ ] الخ وغيرهما، فلا نتعجله قبل الكلام في تفسير الآيات الناطقة به، وما هي ببعيد.
ومن نكت البلاغة المؤدية لما ذكرنا من اختلاف الحالين في الواقعتين : أنه تعالى قال هنا : ولتطمئن قلوبكم به وقال في سورة الأنفال : ولتطمئن به قلوبكم [ الأنفال : ١٠ ] والفرق بينهما أن المؤمنين لم يكن لهم يوم بدر ما تطمئن به قلوبهم غير وعد الله وبشارته لهم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك كان من دعائه يومئذ " اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا " قال عمر راوي هذا الحديث : فما زال يستغيث ربه ويدعوه حتى سقط رداؤه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فرداه ثم التزمه من ورائه، ثم قال : يا نبي الله كفاك مناشدتك لربك فإنه سينجز لك ما وعدك. وأنزل الله يومئذ إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم ١ [ الأنفال : ٩ ]. رواه أحمد ومسلم وغيرهما. فكان بهذا الوعد اطمئنان قلوبهم لا بسواه فلذلك قدم " به " على " قلوبكم " وأما في يوم أحد فلم تكن الحال كذلك كما علم مما تقدم آنفا، فلم تعد البشارة أن تكون مما يطمئن به القلب فقال :" ولتطمئن قلوبكم به " من غير قصر.

١ - أخرجه مسلم في الجهاد حديث ٥٨، وأحمد في المسند ١/ ٣٠، ٣٢..

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير