ﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐ

الصادق في الطلب من الكاذب، فإن محبة الله مقرونة بالبلاء، وليتخذ منهم شهداء إن ماتوا على ذلك، كالحلاج وغيره، أو يتخذ منهم شهداء الملكوت إن صبروا حتى ظفروا بالشهود. (والله لا يحب الظالمين) أي: المؤذين لأوليائه، بل يمقتهم ويبعدهم.
(وليمحص الله الذين آمنوا) بطريق الخصوص، أي: يخلصهم من بقايا الحس، سلط عليهم الناس، وليَمحق المنكرين عليهم بما يصيبهم من إيذايتهم، فإن المنكر على أهل النسبة كمن يدخل يده في الغيران «١»، فإذا سلم من الأول والثاني، قال: لا يلحقني منهم شيء، فإذا أدخل يده في غار آخر لدغته حية فأهلكته.
أم حسبتم يا معشر المريدين أن تدخلوا جنة المعارف، ولما يعلم الله الذين جاهدوا نفوسهم، ويعلم الصابرين على إيذاية من آذاهم، ولقد كنتم تمنون موت نفوسكم وتطلبون ما يعينكم على موتها من قبل أن تلقوا الجلال، فقد رأيتموه وعاينتموه وأنتم تنظرون ما أصاب الأولياء غيركم، فما لكم تجزعون منه وتفرون من مواطنه؟. وكان شيخ شيوخنا رضي الله عنه يقول: العجب كل العجب، ممن يطلب معرفة الله، فإذا تعرف إليه أنكره.
وفي الحِكَم: «إذا فتح الله لك وجهة من التعرف فلا تبال معها، وإن قلَّ عملك، فإنه ما فتحها إلاَّ وهو يريد أن يتعرف إليك فيها، ألم تعلم أن التعرف هو مورده عليك، والأعمال أنت مهديها إليه، وأين ما تهديه إليه مما هو مورده عليك؟». وبالله التوفيق.
ثم وبَّخهم على ما وقع لهم من الفشل، حين سمعوا بموت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٤٤ الى ١٤٥]
وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥)
قلت: (كتاباً) : مصدر، أي: كتب الموت كتاباً مؤجلاً.
يقول الحق جلّ جلاله: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ يصيبه ما أصابهم، قَدْ مضت مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، فسيمضي كما مضوا بالموت أو القتل، أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ بعد تقرر شريعته

(١) الغيران: جمع غار، ويجمع أيضا على أغوار.

صفحة رقم 414

وظهور براهينه، عاتبهم على تقدير أن لو صار منهم انقلاب لو مات صلّى الله عليه وسلم أو قتل، أو على ما صدر من بعض المنافقين وهم ساكتون.
قال أصحاب المغازي: خرج النبي ﷺ حتى نزل بالشعب من أحُد، في سبعمائة رجل، وأمر عبد الله بن جبيرٍ على الرماة، وهم خمسون رجلاً، وقال: انضحوا عنا بالنبل، لا يأتونا من خلفنا، لا تبرحوا مكانكم كانت لنا أو علينا، فإنا لن نزال غالبين ما ثبتُّم مكانكم، فجاءت قريش، وعلى ميمنتهم خالد بن الوليد، وعلى ميسرتهم عكرمة، ومعهم النساء. ثم انتشب القتال فقال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ يأخذ هذا السيف بحقه» ؟ فجاء رجال فمنعهم، حتى جاء أبو دُجانة، فقال: وما حقه يا رسول الله؟ قال: «تضرب به العدو حتى ينحني»، وكان رجلاً شجاعاً يختال عند الحرب، فأخذه واعتم بعمامة حمراء، وجعل يتبختر بين الصفين، فقال عليه الصلاة والسلام: «إنها لمشيةٌ يبغضها الله إلاّ في هذا الموضع».
ثم حمل النبي ﷺ وأصحابه على المشركين فهزموهم، قال الزبير: (فرأيت هنداً وصواحبها هارباتٍ مصعدات في الجبل)، فلما نظر الرماة إلى القوم قد انكشفوا، قالوا: الغنيمة الغنيمة فقال لهم بعضهم: لا تتركوا أمر النبي ﷺ فلم يلتفتوا، وانطلق عامتهم، فلما رأى خالد قلة الرماة، صاح في خيله من المشركين، ثم حمل على أصحاب النبي ﷺ من خلفهم، وقتل عبد الله بن جبير، واختلط الناس، فقتل بعضُهم بعضاً، ورمى عبدُ الله بن قمئة الحارثي رسولَ الله ﷺ بحجر، فكسر أنفه ورباعيته، وشجَّه في وجهه، وكسر البيضة «١» على رأسه، فذبَّ عنه مصعبُ بن عمير، وكان صاحب الراية، فقتله ابن قمئة وهو يرى أنه قتل النبي صلى الله عليه وسلم، فرجع إلى قومه، وقال: قد قتلت محمداً، وصرخ صارخ: ألا إنَّ محمداً قد مات. وقيل: إنه الشيطان، فانكفأ الناس، وجعل الرسول- عليه الصلاة والسلام- يدعو: «إليَّ عباد الله»، فانحاز إليه ثلاثون من الصحابة، وضموه حتى كشفوا عنه المشركين، وأصيبت يد طلحة بن عبيد الله فيبست، حين وقى بها النبي صلى الله عليه وسلم، وأصيبت عين قتادة بن النعمان، حتى وقعت على وجنتيه، فردها النبي ﷺ مكانها، فعادت أحسن مما كانت.
وفشا في الناس إن رسول الله ﷺ مات- فقال بعض المسلمين: ليت ابنُ أُبي يأخذ لنا أماناً من أبي سفيان.
وقال بعض المنافقين: لو كان نبيّاً ما قتل، ارجعوا إلى دينكم الأول. فقال أنس بن النضر- عمُّ أنس بن مالك: (إن كان قد قتل محمدٌ فَإِنَّ رب محمد لا يموت، وما تصنعون بالحياة بعده؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه، حتى تموتوا على ما مات عليه). ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء- يعني المسلمين- وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء- يعني الكفار-، ثم شدّ سيفه وقاتل حتى قُتل، رحمة الله عليه.

(١) البيضة: الخوذة.

صفحة رقم 415

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

تحقيق

أحمد عبد الله القرشي رسلان

الناشر الدكتور حسن عباس زكي - القاهرة
سنة النشر 1419
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية