ثم وبخهم على ما وقع لهم من الفشل، حين سمعوا بموت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال :
وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ
يقول الحقّ جلّ جلاله : وما محمد إلا رسول يصيبه ما أصابهم، قد مضت من قبله الرسل ، فسيمضي كما مضوا بالموت أو القتل، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم بعد تقرر شريعته وظهور براهينه، عاتبهم على تقدير أن لو صار منهم انقلاب لو مات صلى الله عليه وسلم أو قتل، أو على صدر من بعض المنافقين وهم ساكتون.
قال أصحاب المغازي : خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى نزل بالشعب من أحُد، في سبعمائة رجل، وأمَّر عبدَ الله بنَ جبيرٍ على الرماة، وهم خمسون رجلاً، وقال : انضحوا عنا بالنبل، لا يأتونا من خلفنا، لا تبرحوا مكانكم ؛ كانت لنا أو علينا، فإنا لن نزال غالبين ما ثبتُّم مكانكم، فجاءت قريش، وعلى ميمنتهم خالد بن الوليد، وعلى ميسرتهم عكرمة، ومعهم النساء. ثم انتشب القتال فقال عليه الصلاة والسلام :" مَنْ يأخذ هذا السيف بحقه ؟ " فجاء رجال فمنعهم، حتى جاء أبو دُجانة، فقال : وما حقه يا رسول الله ؟ قال :" تضرب به العدو حتى ينحني "، وكان رجلاً شجاعاً يختال عند الحرب، فأخذه واعتم بعمامة حمراء، وجعل يتبختر بين الصفين، فقال عليه الصلاة والسلام :" إنها لمشيةٌ يبغضها الله إلاّ في هذا الموضع ".
ثم حمل النبيّ صلى الله عليه وسلم على المشركين فهزموهم، قال الزبير :( فرأيت هنداً وصواحبها هارباتٍ مصعدات في الجبل )، فلما نظر الرماة إلى القوم قد انكشفوا، قالوا : الغنيمة الغنيمة فقال لهم بعضهم : لا تتركوا أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال يلتفتوا، وانطلق عامتهم، فلما رأى خالد قلة الرماة، صاح في خيله من المشركين، ثم حمل على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من خلفهم، وقتل عبد الله بن جبير، واختلط الناس، فقتل بعضُهم بعضاً، ورمى عبدُ الله بن قمئة الحارثي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بحجر، فكسر أنفه ورباعيته، وشجَّه في وجهه، وكسر البيضة١ على رأسه، فذبَّ عنه مصعبُ بن عمير، وكان صاحب الراية، فقتله ابن قمئة وهو يرى أنه قتل النبيّ صلى الله عليه وسلم، فرجع إلى قومه، وقال : قد قتلت محمداً، وصرخ صارخ : ألا إنَّ محمداً قد مات. وقيل : إنه الشيطان، فانكفأ الناس، وجعل الرسول - عليه الصلاة والسلام - يدعو :" إليَّ عباد الله "، فانحاز إليه ثلاثون من الصحابة، وضموه حتى كشفوا عنه المشركين، وأصيبت يد طلحة بن عبيد الله فيبست، حتى وقَى بها النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأصيبت عين قتادة بن النعمان، حتى وقعت على وجنتيه، فردها النبيّ صلى الله عليه وسلم مكانها، فعادت أحسن مما كانت.
وفشا في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات - فقال بعض المسلمين : ليت ابنُ أُبي يأخذ لنا أماناً من أبي سفيان. وقال بعض المنافقين : لو كان نبيّاً ما قتل، ارجعوا إلى دينكم الأول. فقال أنس بن النضر - عمُّ أنس بن مالك :( إن كان قد قتل محمدٌ فَإِنَّ رب محمد لا يموت، وما تصنعون بالحياة بعده ؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه، حتى تموتوا على ما مات عليه ). ثم قال : اللهم إني أعتذر إليك ما صنع هؤلاء - يعني المسلمين - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني الكفار-، ثم شدّ سيفه وقاتل حتى قُتل، رحمة الله عليه.
فأنزل فيما قال المنافقون : ومن ينقلب على عقبيه بارتداده فلن يضر الله شيئاً وإنما يضر نفسه، وسيجزي الله الشاكرين على نعمة الإسلام بالثبات عليه، كأنس وأضرابه.
ودخل بعض العارفين على بعض الفقراء فوجده يبكي، فقال له : ما يبكيك ؟ قال : مات أستاذي، فقال له العارف : ولم جعلت أستاذك يموت ؟ وهلا جعلته حيّاً لا يموت.
فنبهه على نفاذ بصيرته إلى شهود المنعم دون الوقوف مع النعمة، فالشيخ الحقيقي هو الذي يغني صاحبه عنه وعن غيره، بالدلالة على ربه.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي