ﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐ

المعنى الجملي : لا يزال الحديث مع من شهد أحدا من المؤمنين، فقد أرشدهم الله في الآيات السالفة إلى أنه لا ينبغي لهم أن يحزنوا أو يضعفوا، وأن ما أصابهم من المحنة و البلاء جار على سنن الله في خليقته من مداولة الأيام بين الناس، و فيه تمحيص لأهل الحق، فإن الشدائد محك الأخلاق، و فيه هدي و إرشاد و تسلية للمؤمنين حتى يتربوا على الصفات التي ينالون بها الفوز و الظفر في جميع أعمالهم.
و هنا أبان لهم أن سبيل السعادة في الآخرة منوط بالصبر الجهاد في سبيل الله، كما أن طريق السعادة في الدنيا يكون بإقامة الحق و سلوك طريق الإنصاف و العدل بين الناس فسنة الله هنا كسنته هناك.
انقلبتم على أعقابكم أي رجعتم كفارا بعد إيمانكم و يقال لكل من عاد إلى ما كان عليه : رجع وراءه و انقلب على عقبيه و نكص على عقبيه
و ما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم أي إن محمدا ليس إلا بشرا قد مضت الرسل قبله فماتوا و قتل بعضهم كز كرياء و يحيى و لم يكتب لأحد منهم الخلد.
أفإن مات كما مات موسى و عيسى و غيرهما من النبيين أو قتل كما قتل زكريا و يحيى تنقلبوا على أعقابكم راجعين عما كنتم عليه ؟ و الرسول ليس مقصودا لذته بل المقصود ما أرسل به من الهداية التي يجب على الناس أن يتبعوها.
قال أنس بن النضر : في الساعة التي زاغت فيها الأبصار و البصائر و بلغت القلوب فيها الحناجر و حين فشا في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل و قال بعض ضعفاء المؤمنين : ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي فيأخذ لنا أمانا من أبي سفيان و قال ناس من أهل النفاق : إن كان محمد قد قتل فالحقوا بدينكم الأول ( أن كان محمد قد قتل فأن رب محمد لم يقتل و ما تصنعون بالحياة بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه و موتوا على ما مات عليه ) ثم قال ( اللهم إني أعتذر إليك مما قال هؤلاء و أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل رضي الله عنه )
و أما المؤمنون الصادقون الموقنون فمنهم من ثبت معه و منهم من كان بعيدا عنه فرجع إليه كأبي بكر و علي و طلحة و أبي دجانة الذي جعل نفسه ترسا دونه فكان يقع عليه النبل و هم لا يتحرك.
و الخلاصة : إن قتل محمد صلى الله عليه و سلم لا يوجب ضعفا في دينه لأمرين :
( أ ) إن محمد بشر كسائر الأنبياء و هؤلاء قد ماتوا أو قتلوا.
( ب ) إن الحاجة إلى الرسول هي تبليغ الدين فإذا تم له ذلك فقد حصل الغرض و لا يلزم من قتله فساد دينه.
و في الآية هداية و إرشاد إلى أنه لا ينبغي أن يكون استمرار الحرب أو عدم استمرارها ذا صلة بوجود القائد بحيث إذا قتل انهزم الجيش أو استسلم للأعداء بل يجب أن تكون المصالح العامة جارية على نظام ثابت لا يزلزله فقد الرؤساء و على هذا تجري الحكومات و الحروب في عصرنا الحاضر.
و من توابع هذا النظام أن تعد الأمة لكل أمر عدته فتوجد لكل عمل رجالا كثيرين حتى إذا فقدت معلما أو مرشدا أو قائدا أو حكيما أو رئيسا أو زعيما و جدت الكثير ممن يقوم مقامه و يؤدي لها من الخدمة ما كان يؤديه و حينئذ يتنافس أفرادها و يحفزون عزائمهم للوصول إلى ما يكمن أن يصل إليه كسب البشر و ينال كل منه بقدر استعداده و سعيه و توفيق الله له.
و من ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا أي و من يرجع عن الجهاد و مكافحته للأعداء فلن يضر الله شيئا بما فعل بل يضر نفسه بتعريضها للسخط و العذاب و حرمانها من الثواب فالله قد وعد بنصر من ينصره و يعز دينه و يجعل كلمته هي العليا و هو محالة منجر وعده.
و لا يحول دون ذلك ارتداد بعض الضعفاء و النافقين على أعقابهم فهو سيثبت المؤمنين و يمحصهم حتى يكونوا كالتبر الخالص فيقيموا دينه و ينشروا دعوته و يرفعوا شأنه و تنشر على الخافقين رايته و هو الذي بيده الخلق و الأمر و هو القادر علة كل شيء.
سيجزى الله الشاكرين له نعمه عليهم بالإيمان و الهداية إلى أقوام السبل.
و في الآية إرشاد إلى أن المصايب التي تحل بالإنسان لا مدخل لها في كونه على حق أو الباطل فكثيرا ما يبتلى صاحب الحق بالمصايب و الرزايا و صاحب الباطل بالنعم والعطايا.
و فيها إيماء إلى أنا لا نعتمد في معرفة الحق و الخير على وجود المعلم بحيث نتركهما عند موته بل نسير على منهاجهما حين و جوده و بعد موته.
و الخلاصة : إن الله أوجب علينا أن نستضيء بالنور الذي جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم أما ما يصيب جسمه من جرح أو ألم و ما يعرض له من حياة أو موت فلا مدخل له في صحة دعوته و لا في إضعاف النور الذي جاء به فإنما هو بشر مثلكم خاضع لسنن الله كخضوعكم

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير