ﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐ

ويقول سبحانه من بعد ذلك : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ...
ونحن نعرف ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه الأول هو " محمد "، وله اسم ثانٍ عرفناه من القرآن وجاء في الإنجيل هو " أحمد " :
وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ [ الصف : ٦ ]
وقد ورد اسمه صلى الله عليه وسلم " مُحمد " في القرآن أربع مرات، و " أحمد " وردت مرة واحدة.
والآية التي نحن بصددها، وهي آية ذكر فيها اسم محمد : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ . ولنقرأ قول الحق :
مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً [ الأحزاب : ٤٠ ]
وقوله تعالى :
وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ [ محمد : ٢ ]
وها هو ذا القول الكريم :
مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً [ الفتح : ٢٩ ]
والاسم هو ما وُضع عَلَماً على المسَمَّى ؛ بحيث إذا ذُكر الاسم جاء إلى الذهن المسمى، فإذا اشترك اثنان في بيئة واحدة في اسم ؛ فلا بد من التمييز بينهما بوصف. فإذا كان في أسرة واحدة ولدان اسم كل واحد منهما مُحمد، فلا بد أن نميز بين الاثنين بصفة، وفي الريف نجد من يسمى " مُحمداً الكبير " و " مُحمداً الصغير ".
وكلمة " مُحمد " وكلمة " أحمد " مشتركتان في أصل المادة ؛ لأنهما من " الحاء والميم والدال " فالمادة هي الحمد، إلا أن التوجيه الاشتقاقي في محمد غير التوجيه في أحمد، لأن الاسم قبل أن يكون علماً إذا خرجت به عن معناه الأصلي، انحل عن معناه الأصلي، وصار علما على الشخص.
ولذلك قد نجد رجلا له جارية سوداء فيسميها " قمرا " وقد يكون للرجل عبد شقي فيسميه : " سعيدا ". فإذا صار الاسم علما على شيء فإنه ينتقل من معناه الأصلي ويصير عَلَماً على المسمَّى، لكن الناس حين تُسمى أبناءها تلمح التفاؤل في أن يصير المعنى الأصلي واقعا.
والدميمة التي يسميها صاحبها " قمرا " افتقدت جمال المسمى، ولذلك فهو يريد لها أن تأخذ جمال الاسم.. وكلمة " مُحمد " حين ننظر إليها في الاشتقاق نجد انها ذاتٌ يقع عليها الحَمْد من غيرها، مثلما تقول : فلان مكرَّم أي وقع التكريم من الغير عليه.
وكلمة " أحمد " نجدها ذاتا وقع عليها الحمد لغيرها.
وعندما نقول : مُكرِّم - بضم الميم وفتح الكاف مع تشديد الراء مكسورة - أي وقع التكريم منه لغيره. ونحن عندنا اسمان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، في القرآن وكلاهما من مادة " الحمد " ف " محمد " ملحوظ فيه أن الحمد وقع عليه كثيرا من غيره. لكن لو كان المراد أن الحمد وقع عليه دون الكثرة فيه لكان اسم " محمود " هو الذي يطلق عليه فقط.
أما " أحمد " فقد قلنا إنه ملحوظ فيها أن الحمد وقع منه لغيره. و " أحمد " تتطابق مع أفعل التفضيل فنحن نقول : " فلان كريم وفلان أكرم من فلان ". إذن ف " أحمد " أي وقع منه الحمد لغيره كثيرا، فلو كان الحمد قد وقع منه بقدر محدود لقلنا " حامد ". إذن ف " أحمد " مبالغة في " حامد " وقع منه الحمد لغيره كثيراً فصار أحمد. و " محمد " مبالغة في " محمود "، وقع عليه الحمد من غيره كثيرا فصار محمداً.
إذن فرسول الله صلى الله عليه وسلم جمع له الله بين الأمرين ؛ فهو محمد من الله وحامد لله ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع الله له بين مقامين : مقام الاصطفاء ومقام المجاهدة، فبالاصطفاء كان " محمدا " و " محمود "، وبالمجاهدة كان " حامدا " و " أحمد ". إذن نحن هنا أمام مقامين اثنين لرسول الله صلى الله عليه وسلم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنا محمد وأحمد والمقفى والحاشر ونبي التوبة ونبي الرحمة ".
وسيكون لذلك كلام ونحن نتناول هنا بالخواطر معركة أحُد، فبعد أن انحل القوم من الرماة عن أمره، وحدثت الكرَّة عليهم من المشركين القرسيين، بعد ذلك يتجه الصحابة هنا وهناك ليفروا، ويتكتل المشركون على رسول الله لدرجة أن ابن قمئة يمسك حجرا ويضرب به حضرة النبي عليه الصلاة والسلام فيكسر رَبَاعِيَّته. وتنغرز في وجنتي الرسول حلقتا المغفر، ويسيل منه الدم، ويحاول الرسول صلى الله عليه وسلم أن يصعد على صخرة من الجبل ليعلوها فلم يستطع فجلس تحته طلحة بن عبيد الله فنهض به حتى استوى عليها. وكلها مجاهدات بشرية.
أما كان الله بقادر أن يُجنِّب رسوله كل ذلك ؟ إنه سبحانه قادر. ولكن كل ذلك كان تكريما من الله، ولم يرد سبحانه أن يحرم رسوله من لذة المجاهدة، وحتى يعرِّف الله المؤمنين بمحمد نقول : إن الله لم يأت بمحمد ليدلله على خلقه، ولكن ليدُلَّ كُلَّ مؤمن على أن رسول الله حينما حدث له ما حدث قد ذاق المجاهدة ؛ فقد فر بعض المقاتلين من المعركة في أحد، وكادت ريح الهزيمة تهب على معسكر الإيمان، ها هو ذا سيدنا أبو عبيدة رضي الله عنه يذهب إلى رسول الله فيجد حلقتي المغفر في وجنتيه صلى الله عليه وسلم، فيحاول سيدنا أبو بكر أن يخلع حلقتي المغفر، فيتألم الرسول صلى الله عليه وسلم، فيقول سيدنا أبو عبيدة :
- إليك يا أبا بكر. بالله دعني. ويمسك أبو عبيدة بإحدى الحلقتين وينزعها من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فسقطت ثنيته، ثم نزع الحلقة الأخرى فسقطت ثنيته الأخرى فكان أبو عبيدة - رضي الله عنه - ساقط الثنيتين، وقال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح ". وينزف دمه صلى الله عليه وسلم، وسيدتنا فاطمة يلهمها الله أن تأتي بقطعة من حصير وتحرقها، وتأخذ التراب الباقي من الحريق وتضمد به الجرح. إن الله لم يشأ أن يحرم رسوله لذة المجاهدة.
ويأتي أنس بن النضر ويجد الصحابة وفيهم عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله وقد ألقوا ما بأيديهم، فيسألهم أنس : ما يجلسكم ؟ فيقولون : قُتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول : فماذا تصنعون بالحياة بعده ؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم استقبل القوم من المشركين فقاتل حتى قتِل.
هذه كلها مواقف لم تكن تأتي وتظهر إلا بهذه المعركة. وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ أي اسمعوا. هذا محمد وهذه منزلته، هو رسول من الله جاء بعد عيسى بن مريم، وكان من الواجب أن نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم مؤكد على بشريته. وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ .
وهل انقلب أتباع الرسل السابقين على أعقابهم حينما ماتت رسلهم ؟ فكيف تكونون أقل شأنا من هذه الأمم ؟ هبوا أن ذلك قد حدث، فلماذا لا يبقى الخير الذي بلغه فيكم رسول الله إلى يوم القيامة ؟ الرجل الذي يكون قد صنع خيرا يموت بموته، أيكون قد صنع شيئا ؟ لا ؛ فالذي يريد أن يصنع خيرا فعليه أن يصنع خيرا يخلفه.
لذلك فالزعامات الفاشلة هي التي يكون الفرد فيها زعيما، ثم يموت ونبحث عن زعيم بعده فلا نجد ونتساءل : لماذا خنق الزعيم أصحابه وزملاءه ؟ أكان خائفا منهم ؟ ونظل نتمنى أن يكون قد ربَّى الزعيم أناسا، فإذا ما ذهب نجد من يخلفه، فلا يوجد إنسان يضمن حياته ؛ لذلك يقول الحق : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ .
وساعة تسمع القول الكريم : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ فهذا أسلوب اسمه أسلوب القصر. إنه سبحانه وتعالى يقصر محمدا على الرسالة. فإذا قصر محمد صلى الله عليه وسلم على الرسالة فهذا يعني أن بعض المعاصرين له كانوا يعتقدون أن محمدا أكبر من رسول ولا يموت.
فأوضح الله سبحانه أن محمدا رسول، وقد خلت من قبله الرسل، ولن يخلد الله أحدا.
وهل غاب ذلك عن الذهن ؟ نعم كان ذلك يغيب عن الذهن بدليل أنه حتى بعد أن نزلت هذه الآية وصارت قرآنا يُتلى، نجد أن سيدنا عمر رضي الله عنه وكانت له فطرة صافية توافق وحي الله، إنه محدَّث مُلْهَم.
ها هو ذا عمر بن الخطاب حينما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتقل إلى رحاب الله يقول : والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يموت حتى يقطع أيدي أناس من المنافقين كثير وأرجلهم. قال عمر بن الخطاب ذلك من هول الفاجعة ونسي الآية فيأتي سيدنا أبو بكر فيقول : من كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لم يمت، ومن كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، وتلا قوله تعالى : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِين . فقال عمر بن الخطاب : " فلكأني لم أقرأها إلا يومئذ ".
ثم إن عمر بعد أن بايع المسلمون أبا بكر بالخلافة قال : أما بعد فإني قلت لكم أمس مقالة، وإنها لم تكن كما قلت، وإني والله ما وجدت المقالة التي قلت لكم في كتاب أنزله الله، ولا في عهد عهده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكني كنت أرجو أن يعيش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يَدْبُرنا فاختار الله عز وجل لرسوله الذي عنده على الذي عندكم، وهذا الكتاب الذي هدى الله به رسوله فخذوا به تهتدوا كما هَدِيَ له رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذه تعطينا أمرين اثنين :
الأمر الأول : هو عِشق الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
والأمر الثاني : هو حاجة إيمان ؛ فالعشق لا يستقيم ولا يصح أن يخرجنا عن طور التصور الإيماني ؛ فعمر بن الخطاب قال : عندما سمعت أبا بكر يتلو هذه الآية عرفت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى هويت على الأرض.
إذن فقوله سبحانه : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ يعني لا ترتفعوا به أنتم أيها المؤمنون برسالته فوق ما رفعته أنا.
ومعنى يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ أي يَرجع. فهل هذا الرجوع رجوع عن المعركة ؟ أو رجوع عن أصل التشريع وأصل الديانة وأصل الرسالة التي جاء بها محمد ؟ إن هذا يصح، وذلك يصح. وقوله الحق : أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ قول واضح، وسبق أن تعرضنا إلى الموت وإلى القتل، وقلنا : إن الموت والقتل مؤداهما واحد، وهو الذهاب بالحياة، إلا أن الذهاب بالحياة مرة يكون بنقض البنية التي لا تسكن الروح فيها إلاّ بمواصفاتها، فإن نقضت البنية ولم تجد الروح المسكن الملائم لها تتركه، لكن الموت على إطلاقه : هو أن تذهب الحياة

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير