فآتاهم الله ثواب الدنيا بالنصر والظفر بالعدو، والسيادة في الأرض، وما يتبع ذلك من الكرامة والعزة، وحسن الأحدوثة وشرف الذكر وحسن ثواب الآخرة بنيل رضوان الله وقربه، والنعيم بدار كرامته، وهو ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر١، كما ورد في الخبر، أخذا من قوله تعالى : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين [ السجدة : ١٧ ] و ما آتاهم ذلك إلا بحسن إرادتهم وما كان لها من حسن الأثر في نفوسهم وأعمالهم، إذ أتوا البيوت من أبوابها ؛ وطلبوا المقاصد بأسبابها والله يحب المحسنين لأنهم خلفاؤه في الأرض يقيمون سنته ؛ ويظهرون بأنفسهم وأعمالهم حكمته، فيكون عملهم لله بالله كما ورد في صفة العبد الذي يحبه الله " فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ؛ ويده التي يبطش بها " ٢ أي إن مشاعره وأعماله لا تكون مشغولة إلا بما يرضي الله ويقيم سننه ويظهر حكمه في خلقه.
وإنما جمع لهم بين ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة لأنهم أرادوا بعلمهم سعادة الدنيا والآخرة، وإنما الجزاء على حسب الإرادة. وهذا هو شأن المؤمن كما تقدم آنفا وهو حجة على الغالين في الزهد. وخص ثواب الآخرة بالحسن للإيذان بفضله ومزيته وأنه المعتمد به عند الله تعالى. كذا قالوا. وقال الأستاذ الإمام : ثواب هؤلاء حسن على كل حال ولكن ذكر الحسن في ثواب الآخرة مزيد في تعظيم أمره. وتنبيه على أنه ثواب لا يشوبه أذى. فليس مثل ثواب الدنيا عرضة للشوائب والمنغصات. ولا يعترض على ما أثبته الآية بمثل واقعة الرجيع وبئر معونة٣ من حيث إن من قتلوا هنالك لم يؤتوا ثواب الدنيا فإن إيثار ثواب الدنيا مشروط باتباع السنن والأخذ بالأسباب وفي واقعة الرجيع قد اختلفوا في النزول على حكم المشركين، فكان ذلك تقصيرا منهم. وفي واقعة بئر معونة قد قصروا في الاحتياط إذ أمنوا لمن لا يصح أن يؤمن لهم، فكان ذلك جزاء التقصير وموعظة للمؤمنين ليكونوا دائما حذرين محتاطين غير مقصرين ولا مسرفين.
وقد صرح بما اتفق عليه المفسرون من كون الآيات تأديبا للمؤمنين وتوبيخا لمن فرط منهم ما فرط، والأمر ظاهر كالشمس في الضحى أو أشد ظهورا.
٢ - أخرجه البخاري في الرقاق باب ٣٨..
٣ - الرجيع ماء لهذيل بين مكة وعسفان والواقعة تعد من السرايا أو البعوث وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث نفرا من أصحابه ٦ أو ١٠ إلى قبيلتي العضل والقارة ليقرئوهم ويفقوهم لأنهم ادعوا الإسلام وطلبوا منه ذلك فلما أتوا الرجيع غدروا بهم. أحاط بهم مئتا رجل من هذيل وقالوا لهم: لكم الذمة إن سرتم معنا أن لا نقتل منكم أحدا فقال بعضهم لا ننزل على ذمة كافر فقاتلهم المشركون حتى قتلوهم وأوثقوا الذين نزلوا على عهدهم وساقوهم إلى مكة ليبيعوهم من قريش التي تريد تعذيب كل من تظفر به من المسلمين فامتنع عبد الله بن طارق أحد الموثوقين أن يسير معهم وقال إن لي بهؤلاء – القتلى- أسوة فجرروه وعالجوه فلم يسر فقتلوه وذهبوا بالآخرين، وهم طخبيب بن عدي وزيد بن الدثنة إلى مكة فباعوهما بأسيرين فقتلتهما قريش بمكة. وكان من خبر خبيب أن حبسوه وأهانوه فقال "ما يصنع القوم الكرام هكذا بأسيرهم: فأحسنوا إليه وجعلوه عند امرأة تحرسه وهي ماوية مولاة هجير بن أبي إهاب أحد الثلاثة الذين اشتروه والآخران عقبة وأبو سروعة أخواه لأمه. وكانت ماوية هي وزوجها موهب مولى آل نوفل يحفظانه. قالت كان خبيب يتهجد بالقرآن فإذا سمعه النساء بكين ورققن عليه فقلت له هل لك من حاجة؟ قال لا إلا أن تسقيني العذب ولا تطعميني ما ذبح على النصب (وهي الحجارة التي يذبحون عليها الأصنام- وتخبريني إذا أرادوا قتلي. فلما أرادوا قتله أخبرته. فو الله ما اكثرث بذلك. وقد خرجوا به من الحرم ليقتلوه خارجه واستأذن منهم بأن يصلي ركعتين فصلاهما، وقال لولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت لزدت. وأنشأ يقول:
| ولست أبالي حين أقتل مسلما | على أي شق كان الله مضجعي |
| وذلك في ذات الإله وإن يشأ | يبارك على أوصال شلو ممزع |
.
تفسير المنار
رشيد رضا