المعنى الجملي : لا يزال الحديث مع من شهد أحدا من المؤمنين، فقد أرشدهم الله في الآيات السالفة إلى أنه لا ينبغي لهم أن يحزنوا أو يضعفوا، وأن ما أصابهم من المحنة و البلاء جار على سنن الله في خليقته من مداولة الأيام بين الناس، و فيه تمحيص لأهل الحق، فإن الشدائد محك الأخلاق، و فيه هدي و إرشاد و تسلية للمؤمنين حتى يتربوا على الصفات التي ينالون بها الفوز و الظفر في جميع أعمالهم.
و هنا أبان لهم أن سبيل السعادة في الآخرة منوط بالصبر الجهاد في سبيل الله، كما أن طريق السعادة في الدنيا يكون بإقامة الحق و سلوك طريق الإنصاف و العدل بين الناس فسنة الله هنا كسنته هناك.
فآتاهم الله ثواب الدنيا بالنصر على الأعداء و الظفر بالغنيمة و السيادة في الأرض و الكرامة و العزة و حسن الأحدوثة و الذكر الحسن و قد سمي ذلك ثوابا لأنه جزاء على الطاعة و امتثال أوامر الله.
و حسن ثواب الآخرة بنيل رضوان الله و رحمته و القرب منه في دار الكرامة و قد فسر بقوله تعالى : فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ ( السجدة : ١٧ ). و قوله في الخبر :" فيها ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر " وما حصلوا على ذلك إلا بما قدموا من صالح العمل الذي كان له أحسن الأثر في نفوسهم فارتفت به إلى حظيرة القدس و تخصيص الحسن بهذا الثواب إيذان بفضله و أنه المعتد به عند الله و أنه ثواب لا يشوبه أذى فهو ليس كثواب الدنيا عرضة للأذى و المنغصات.
و إنما جمع لهم بين الثوابين لأنهم أرادوا بعملهم هاتين السعادتين سعادة الدنيا وسعادة الآخرة كما هو شأن المؤمن وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً ( البقرة : ٢٠١ ).
و هذه الآية و أشباهها حجة على الغالبين في الزهد الذين يتحرجون عن الاستمتاع بشيء من لذات الدنيا و يعدون ذلك منافيا للتقوى و مبعدا عن رضوان الله.
و الله يحب المحسنين لأنهم هم الذين يقيمون سننه في أرضه و يطهرون بأنفسهم و أعمالهم أنهم جديرون بخلافة الله فيها و لا تكون أعمالهم إلا بما يرضي الله فهي من الله و لله.
و قد جاء في الآية الترتيب هكذا – التوفيق على الطاعة ثم الثواب عليها ثم المدح على ذلك إذ سماهم محسنين ليكون في ذلك توجيه للعبد ليعلم أن كل ذلك بعنايته تعالى و فضله.
تفسير المراغي
المراغي