ولما انصرف أبو سفيان من أحد، قال : بئس ما صنعنا ! قتلنا القوم ولم يبق إلا اليسير، ارجعوا حتى نستأصلهم، فألقى الله في قلبه الرعب، كما قال :
سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ
قلت : الرعب : الخوف، وفيه الضم والسكون، وهكذا كل ثلاثي ساكن الوسط، كالقدس والعسر واليسر، وشبه ذلك، و بما أشركوا : مصدرية.
يقول الحقّ جلّ جلاله : سنقذف في قلوب الذين كفروا كأبي سفيان وأصحابه، الرعب والخوف، حتى يرجعوا عنكم بلا سبب، بسبب شركهم بالله ما لم ينزل به سلطاناً ولا حجة على استحقاق العبادة، ومأواهم النار أي : هي مقامهم، وبئس مثوى الظالمين أي : قبح مقامهم. ووضع الظاهر موضع المضمر للتغليظ في العلة.
الإشارة : فيها تسلية للفقراء، فإنَّ كل من هم بإذايتهم ألقى الله في قلبه الرعب، حتى لا يقدر أن يتوصل إليهم بشيء مما أمَّل فيهم، وقد رأيتهم هموا بقتلهم وضربهم وحبسهم، وسعوا في ذلك جهدهم، وعملوا في ذلك بينات على زعمهم، تُوجب قتلهم، فكفاهم الله أمرهم، وألقى الرعب في قلوبهم، فانقلبوا خائبين وماتوا ظالمين، والله ولي المتقين.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي