ﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣ

يستبشرون كرره للتأكيد، أو يقال الأول بشارة بدفع الضرر وهذا بشارة بجلب النفع بنعمة من الله ثوابا لأعمالهم وفضّل زيادة عليه من الله تعالى وذلك رؤية الله ومراتب قربه وتنكيرهما للتعظيم وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين قرأ الجمهور بفتح أن عطفا على فضل فهو من جملة المستبشر به. عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" تكفل الله لمن جاهد في سبيل الله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلمته أن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من نال من أجر وغنيمة " ١ وقال :" والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة وجرحه تبعث دما اللون لون الدم والريح ريح المسك " ٢ رواه. وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الشهيد لا يجد ألم القتل إلا كما يجد أحدكم ألم القرصة " ٣ رواه الدرامي وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب، ورواه النسائي بسند صحيح ورواه الطبراني في الوسط عن أبي قتادة بسند صحيح، والآية تدل على عدم ضياع أجر للمؤمنين عامة شهيدا كان أو غيره كأن الشهداء يستبشرون بحال جميع المؤمنين، وقرأ الكسائي على أنه استئناف معترض دال على أن ذلك أجر لهم على إيمانهم ومن لا إيمان له أعماله محبطة لا أجر عليها، وقيل : هذه الآية نزلت في شهداء بدر كانوا أربعة عشر رجلا ثمانية من الأنصار وستة من المهاجرين وهذا القول ضعيف، وقراءة قتّلوا بالتشديد يأبي عنه لدلالتها المقتولين.
وقال قوم : نزلت هذه الآية في شهداء بئر معونة وكان سبب ذلك على ما روى محمد بن إسحاق وعبد الله بن أبي عن أنس رضي الله عنه وغيره قال : قدم عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة العامري على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهدى له فرسين وراحلتين فأبي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبلها وقال :" لا أقبل هدية مشرك، فأسلم إن أردت أن أقبل هديتك " فلم يسلم ولم يبعد وقال : يا محمد إن الذي تدعوا إليه حسن جميل فلو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد رجوت أن يستجيبوا لك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إني أخشى عليهم أهل نجد " فقال أبو براء : أنا لهم جار، فبعث المنذر بن عمر رضي الله عنه أخا بني ساعدة في سبعين رجلا من خيار المسلمين من الأنصار يسمون القراء وفيهم عامر بن فهيرة مولى أبي بكر في صفر سنة أربع حتى نزلوا بئر معونة وهي أرض بين أرض بني عامر وحرة بني سليم، فبعثوا حرام بن ملحان رضي الله عنه بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عامر بن الطفيل في رجال من بني عامر، فقال حرام بن ملحان : إني رسول رسول الله إليكم إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فآمنوا بالله ورسوله، فخرج إليه رجل من كسر البيت برمح فضرب به في جنبه حتى خرج من الشق الآخر فقال الله أكبر فزت ورب الكعبة، ثم استصرخ عامر بن الطفيل عليهم بنى عامر فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه وقالوا لا تخفوا جوار أبي براء فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم عصية ورعل وذكوان فأجابوه فخرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوا بهم في رحالهم فقاتلوهم حتى قتلوا كلهم إلا كعب بن زيد تركوه وبه رمق فعاش حتى قتل يوم الخندق، وأخذوا عمرو بن أمية أسيرا فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر له الخبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا عمل أبي براء، فبلغ ذلك أبا براء فشق عليه إخبار عامر إياه. روى محمد بن إسحاق كان يقول : عامر بن الطفيل كان يقول : من الرجل منهم لما قتل رأيته رفع بين السماء والأرض حتى رأيت السماء من دونه ؟ قالوا : هو عامر بن فهيرة، ثم بعد ذلك حمل ربيعة بن أبي براء على عامر بن الطفيل فطعنه على فرسه فقتله. وفي الصحيحين عن قتادة عن أنس أن رعلا وذكوان وعصية وبني لحيان أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فزعموا أنهم أسلموا واستمدوا على عدوهم فأمدهم بسبعين من الأنصار كنا نسميهم القراء في زمانهم كانوا يحبطون بالنهار ويصلون بالليل حتى كانوا ببئر معونة فقتلوهم وغدروا بهم، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقنت شهرا يدعو في الصبح على أحياء من أحياء العرب على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان " ٤ وروى أحمد والشيخان والبيهقي عن أنس والبيهقي عن ابن مسعود والبخاري عن عروة أن أناسا جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : ابعث معنا رجالا يعلمون القرآن والسنة فبعث إليهم سبعين رجلا من الأنصار يقال لهم القراء، فتعرضوا لهم فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان قالوا اللهم بلغ نبينا وفي لفظ إخواننا أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا، فأوحى الله أنا رسولهم إليكم أنهم قد رضوا ورضي عنهم، قال أنس فقرأنا فيهم بلغوا عنا قومنا إنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا ثم نسخ، فدعا رسول الله صلى الله عليه و سلم أربعين صباحا على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان الذين عصوا الله ورسوله " قال البغوي في قول أنس : فرفعت بعد ما قرأناها زمانا وأنزل الله عز وجل ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله الآية، قلت : والاختلاف وإن وقع في سبب نزول هذه الآية كما ذكرنا لكن بحسب عموم اللفظ جميع الشهداء داخلون في حكم هذه الآية والله أعلم.
( مسألة ) أجمعوا على أن الشهيد لا يغسل لأن شهداء أحد لم يغسلوا وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم أن ينزع الحديد والجلود وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم٥. رواه أبو داود وابن ماجه عن ابن عباس، وروى النسائي بسند صحيح عن عبد الله بن ثعلبة قوله صلى الله عليه وسلم :" زملوهم بدمائهم فإنه ليس كلم يكلم في سبيل الله إلا هو يأتي يوم القيامة بدماء لونه لون الدم وريحه ريح المسك " ٦ وفي الباب حديث جابر " رمي رجل بسهم في صدره فمات فأدرج في ثيابه كما هو ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم " ٧ أخرجه أبو داود بإسناد على شرط مسلم.
( مسألة ) واختلفوا في مجنب استشهد هل يغسل أم لا ؟ فقال أبو حنيفة وأحمد : يغسل، وقال مالك والشافعي : لا يغسل لعموم قوله صلى الله عليه وسلم :" زملوهم بدمائهم " ولنا : قصة حنظلة بن أبي عامر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إني رأيت الملائكة تغسل وحنظلة بن أبي عامر بين السماء والأرض بماء المزن في صحاف الفضة " قال أبو أسيد الساعدي : فذهبنا فنظرنا إليه فإذا رأسه يقطر ماء فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فأرسل إلى امرأته فسألها فأخبرته أنه خرج وهو جنب فولده يقال بنو غسيل الملائكة " ٨ رواه ابن الجوزي من حديث محمد بن سعد مرسلا، ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم والبيهقي من حديث ابن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن جده، قال الحافظ : ظاهره أن الضمير في قوله عن جده يعود على عباد فيكون الحديث من مسند الزبير وهو الذي يمكنه السماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الحال، ورواه الحاكم في الإكليل من حديث أبي أسيد وفي إسناده ضعف، ورواه الحاكم في المستدرك والطبراني والبيهقي من حديث ابن عباس، وفي إسناده الحاكم معلى بن عبد الرحمن متروك، وفي إسناد الطبراني حجاج مدلس، وفي إسناد البيهقي أبو شيبة الواسطي ضعيف.
( مسألة ) اختلفوا في الصلاة على الشهيد ؟ فقال الشافعي : لا يصلى عليه، وقال أبو حنيفة ومالك : يصلى عليه وعن أحمد كالمذهبين. قلنا : الصلاة إما لمغفرة الذنوب أو لرفع الدرجات تكريما للميت والشهيد أولى بالتكرمة ولو كان التكريم في وترك الصلاة كان النبي صلى اله عليه وسلم أولى به وقد صلى عليه إجماعا – والأصل هو الصلاة، احتج الشافعي بحديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين رجلين من قتلى أحد في الثوب الواحد ثم يقول : أيهما أكثر قرآنا ؟ فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال " أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة وأمر بدفنهم في ثيابهم ولم يصل عليهم ولم يغسلوا " ٩ رواه البخاري والنسائي وابن ماجه وابن حبان، وحديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " كان يوم أحد يكفن الرجلين والثلاثة في الثوب الواحر ودفنهم ولم يصل عليهم " ١٠ رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال : حديث حسن والحاكم وصححه، وقد أعله البخاري وقال : غنه غلط فيه أسامة بن زيد فقال : عن الزهري عن أنس ورجح رواية الليث عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب عن جابر يعني هو الحديث الأول والله أعلم. وأجيب عن احتجاج الشافعي بأنه يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على شهداء أحد لما كان به من ألم الجراح وكسر الرباعية ولعله صلى عليهم غيره صلى الله عليه وسلم، ويؤيد هذا الاحتمال ما روى أبو داود في المراسيل والحاكم والطحاوي من حديث أنس أيضا قال : مر النبي صلى الله عليه وسلم على حمزة وقد مثل به ولم يصل على أحد من الشهداء غيره، زاد الطحاوي قال عليه السلام :" أنا شهيد عليكم يوم القيامة " فإن قيل : روى هذا الحديث الدارقطني وقال : لم يقل هذه الزيادة غير عثمان بن عمرو وليست محفوظة ؟ قلنا : قال ابن الجوزي : عثمان مخرج عنه في الصحيحين والزيادة من الثقة مقبولة، قال الطحاوي : لو كان ترك الصلاة على الشهيد سنة لما صلى على حمزة، فظهر أنه صلى على حمزة لفضله ولم يصل على غيره لما كان به من وجع، وقد ورد ما يعارض ما تقدم عدة أحاديث عن عدة من الصحابة منها حديث جابر قال : فقد رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة حين جاء الناس من القتال فقال : رجل رأيته عند تلك الشجرة، فلما رآه ورأى ما مثل به شهق وبكى فقام رجل من الأنصار فرمى عليه بثوب، ثم جيء بحمزة فصلى عليه ثم بالشهداء فيوضعون إلى جانب حمزة فيصلى عليهم ثم يرفعون ويترك حمزة حتى صلى على الشهداء كلهم وقال :" حمزة سيد الشهداء عند الله يوم القيامة " رواه الحاكم وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه إلا في سنده مفضل بن صدقة أبو حماد الحنفي قيل هو متروك وضعفه النسائي ويحيى، لكن قال الأهوازي : كان عطاء بن مسلم يوثقه وكان أحمد بن محمد بن شعيب يثنى عليه ثناء تاما، وقال ابن عدي : ما أرى به بأسا فالحديث لا يسقط عن درجة الحسن. ومنها حديث ابن عباس قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمزة فسجّي ببردة ثم صلى عليه وكبر سبع تكبيرات ثم أتى بالقتل فيوضعون إلى حمزة فيصلى عليهم وعليه معهم حتى صلى عليه اثنتين وسبعين صلاة " رواه ابن إسحاق قال : حدثني من لا أتهمه عن مقسم مولى ابن عباس عنه وفي مقدمة مسلم عن شعيبة عن الحسن بن عمارة عن الحكم عن مقسم عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد فسألت الحكم فقال : لم يصل عليهم " قال السهيلي : الحسن بن عمارة ضعيف، وقال الحافظ : وروى هذا الحديث الحاكم وابن ماجه والطبراني والبيهقي من طريق يزيد بن زياد عن مقسم عن ابن عباس مثله، قال الحافظ : يزيد فيه ضعف يسير، وقال ابن الجوزي : قال ابن المبارك ارم به، وقال البخاري : منكر الحديث، وقال النسائي : متروك. ومنها حديث ابن مسعود نحوه يعني صلى على حمزة سبعين صلاة رواه أحمد والحديث ضعيف، وقال ابن همام : لا ينزل عن درجة الحسن. ومنها حديث أبي مالك الغفاري أخرجه أبو داود في المراسيل " أنه صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد عشرة عشرة في كل عشرة حمزة حتى صلى ع

١ أخرجه البخاري في كتاب: فرض الخمس، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أحلت لكم الغنائم" (٣١٢٣) وأخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: فضل الجهاد والخروج في سبيل الله (١٨٧٦)..
٢ أخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: فضل الجهاد والخروج في سبيل الله (١٨٧٦)..
٣ أخرجه الترمذي في كتاب: فضائل الجهاد، باب: ما جاء في فضل المرابط (١٦٦٨) وأخرجه النسائي في كتاب: الجهاد، باب: ما يجد الشهيد من الألم (٣١٥٢)..
٤ أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد والسير، باب: العون بالمدد (٣٠٦٤)..
٥ أخرجه أبو داود في كتاب: الجنائز، باب: في الشهيد يغسل (٣١٣٢)..
٦ خرجه النسائي في كتاب: الجنائز، باب: مواراة الشهيد في دمه (١٩٩٣)..
٧ أخرجه أبو داود في كتاب: الجنائز، باب: في الشهيد يغسل (٣١٣١)..
٨ أخرجه ابن سعد في الطبقات، وذكر الحديث الحاكم في المستدرك وقال صحيح وأقره الذهبي. انظر كنز العمال (٣٣٢٥٧)..
٩ أخرجه البخاري في كتاب: الجنائز، باب: الصلاة على الشهيد (١٢٧٨) وأخرجه النسائي في كتاب: الجنائز، باب: ترك الصلاة عليهم (١٩٤٦) وأخرجه أبو داود في كتاب: الجنائز، باب: في الشهيد يغسل (٣١٣٦)..
١٠ أخرجه الترمذي في كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في قتلى أحد وذكر حمزة..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير