ﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣ ﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴ

وجل إني قد أنزلت على نبيّ محمد صلّى الله عليه وسلّم وأخبرته بحالكم وما صرتم إليه من الكرامة وأن محمدا صلّى الله عليه وسلّم قد أخبر إخوانكم بذلك ففرحوا بذلك واستبشروا أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ يعني في الآخرة وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يعني على ما فاتهم من نعيم الدنيا.
[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٧١ الى ١٧٢]
يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢)
يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لمّا بيّن الله تعالى أن الشهداء يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم في خلفهم ذكر أنهم أيضا يستبشرون لأنفسهم بما رزقوا من النعيم والفضل فالاستبشار الأول كان لغيرهم والاستبشار الثاني لأنفسهم خاصة وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ يعني كما أنه تعالى لا يضيع أجر المجاهدين والشهداء كذلك لا يضيع أجر المؤمنين.
(فصل في فضل الجهاد في سبيل الله) (ق) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلّا جهاد في سبيل وإيمان بي وتصديق برسلي فهو على ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة. والذي نفس محمد بيده ما من كلم يكلم في سبيل الله إلّا جاء يوم القيامة كهيئته حين يكلم لونه لون دم وريحه ريح مسك. والذي نفس محمد بيده لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدا ولكن لا أجد سعة فأحملهم ولا يجدون سعة ويشق عليهم أن يتخلفوا عني. والذي نفس محمد بيده لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل ثم اغزوا فأقتل لفظ (ق) عن أنس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها (ق) عن سهل بن سعد أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها. عن فضالة بن عبيد أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: كل ميت يختم على عمله إلّا المرابط في سبيل الله فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة ويأمن من فتنة القبر أخرجه أبو داود والترمذي عن معاذ بن جبل أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة ومن سأل الله القتل في سبيل الله صادقا من نفسه ثم مات أو قتل كان له أجر شهيد، ومن جرح جرحا في سبيل الله أو نكب نكبة فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت لونها لون الزعفران وريحها ريح المسك ومن خرج به خراج في سبيل الله فإن عليه طابع الشهداء. أخرجه أبو داود والنسائي وأخرجه الترمذي مفرقا في موضعين (ق) عن أبي سعيد قال: أتى رجل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: أي الناس أفضل؟ قال: مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله قال ثم من قال رجل في شعب من الشعاب يعبد الله وفي رواية يتقي الله ويدع الناس من شره (خ) عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا واحتسابا وتصديقا فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة يعني حسنات (ق) عن أنس بن مالك أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: ما أحد يدخل الجنة فيحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلّا الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة وفي رواية لما يرى من فضل الشهادة (م) عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال يغفر للشهيد كل ذنب إلى الدين عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: ما يجد الشهيد من مس القتل إلّا كما يجد أحدكم من القرصة أخرجه الترمذي وللنسائي نحوه عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته أخرجه أبو داود: قوله عز وجل: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ الآية قال أكثر المفسرين أن أبا سفيان وأصحابه لمّا انصرفوا من أحد فبلغوا الروحاء ندموا على انصرافهم وتلاوموا فقالوا:
لا محمدا قتلتم ولا الكواعب أردفتم قتلتموهم حتى إذا لم يبق إلّا الشريد تركتموهم ارجعوا فاستأصلوهم فبلغ ذلك

صفحة رقم 320

رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأراد أن يرهب العدو ويريهم من نفسه وأصحابه قوة فندب أصحابه للخروج في طلب أبي سفيان فانتدب عصابة منهم مع ما بهم من ألم الجراح والقرح الذي أصابهم يوم أحد وناد مناد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ألا لا يخرجن معنا أحد إلّا من حضرنا بالأمس فكلمه جابر بن عبد الله فقال: يا رسول الله إن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع وقال لي بني إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة ولا رجل فيهن ولست بالذي أوثرك على نفسي بالجهاد مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فتخلف على أخواتك فتخلفت عليهن فأذن له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فخرج معه وإنما خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مرهبا للعدو وليبلغهم أنه خرج في طلبهم فيظنوا به قوة وأن الذي أصابهم لم يوهنهم فينصرفوا فخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح وعبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان في سبعين رجلا من أصحابه حتى بلغوا حمراء الأسد وهي من المدينة على ثمانية أميال، (ق) عن عائشة في قوله الذين استجابوا الله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، الذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم. قالت لعروة: يا ابن أختي كان أبواك منهم الزبير وأبو بكر لما أصاب نبي الله صلّى الله عليه وسلّم ما أصاب يوم أحد وانصرف المشركون خاف أن يرجعوا فقال من يذهب في أثرهم فانتدب منهم سبعون رجلا كان فيهم أبو بكر والزبير قال: فمر برسول الله صلّى الله عليه وسلّم الخزاعي بحمراء الأسد كانت خزاعة مسلمهم وكافرهم عيبة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بتهامة صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئا كان بها ومعبد يومئذ مشرك فقال يا محمد والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك ولوددنا أن الله كان قد أعفاك فيهم. ثم خرج معبد من عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى لقي أبا سفيان ومن معه بالروحاء وقد أجمعوا على الرجعة إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقالوا قد أصبنا جل أصحابه وقادتهم لنكرن على بقيتهم ولنفرغن منهم فلما رأى أبو سفيان معبدا قال له: ما وراءك يا معبد قال محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قد يتحرقون عليكم تحرقا وقد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا على صنيعهم، وفيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط قال أبو سفيان: ويلك ما تقول؟ قال: والله ما أراك ترحل حتى ترى نواصي الخيل قال فو الله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم فقال والله إني أنهاك عن ذلك فو الله لقد حملني ما رأيت على إن قلت أبياتا قال وما قلت قال قلت:

كادت تهدي من الأصوات راحلتي إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل
تردى بأسد كرام لا تنابلة عند اللقاء ولا ميل معازيل
فقلت ويل ابن حرب من لقائكمو إذا تغطغطت البطحاء بالخيل
إني نذير لأهل السبل ضاحية لكل ذي أربة منهم ومعقول
من جيش أحمد لا وحش يقابله وليس يوصف ما أنذرت بالفيل
قالوا فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه ومر ركب من عبد القيس فقال: أين تريدون؟ قالوا نريد المدينة لأجل الميرة قال: فهل أنتم مبلغون عنا محمدا رسالة وأحمل لكم إبلكم زبيبا بعكاظ إذا وفيتموها قالوا: نعم إذا وافيتموه فأخبروه إنا أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم وانصرف أبو سفيان إلى مكة ومر الركب برسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قال أبو سفيان فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه: حسبنا الله ونعم الوكيل. ثم انصرف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم راجعا إلى المدينة بعد ثالثة وقال مجاهد وعكرمة نزلت هذه الآية في غزوة بدر الصغرى وذلك أن أبا سفيان يوم أحد حين أراد أن ينصرف قال يا محمد موعد ما بيننا وبينك موسم بدر الصغرى لقابل إن شئت فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذلك بيننا وبينك إن شاء الله فلما كان العام المقبل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل بمجنة من ناحية مر الظهران ثم ألقي الله الرعب في قلبه فبدا له الرجوع فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمرا فقال له أبو سفيان: يا نعيم إني قد واعدت محمدا وأصحابه أن نلتقي بموسم الصغرى وهذا عام جدب ولا يصلحنا إلّا عام نرعى فيه الشجر ونشرب اللبن، وقد بدا لي أن لا أخرج إليها وأكره أن يخرج محمد

صفحة رقم 321

لباب التأويل في معاني التنزيل

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشيحي

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت
سنة النشر 1415
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية