المعنى الجملي : كان الكلام فيما مضى في التحريض على بذل النفس في الجهاد في سبيل الله بذكر ما يلاقيه المجاهدون من الكرامة مند ربهم في جنات النعيم.
و هنا شرع يحث على بذل المال في الجهاد – و المال شقيق الروح – فذكر أشد أنواع الوعيد لمن يبخل بماله في هذه السبيل و أرشد إلى أن المال ظل زائل وأن مدى الحياة قصير و أن الوارثين و الموروثين سيموتون و يبقى الملك لله وحده.
ثم ذكر مقالة لليهود قد قالوها ثم كذبهم فيها ثم سلى رسوله و أبان له أن تكذيبهم لك ليس ببدع منهم بل سبقوا من قبل بمثله من الأنبياء السابقين.
عهد إلينا : أي أمرنا في الثوراة و أوصانا القربان : ما يتقرب به إلى الله من حيوان و نقد و غيرهما و المراد من النار التي تنزل من السماء
الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في كعب بن الأشرف و مالك بن الصيف و فنحاص بن عازوراء في جماعة آخرين أتَوْا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد تزعم أنك رسول الله و أنه تعالى أوحى إليك كتابا و قد عهد إلينا في التوراة ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار و يكون للنار دوي خفيف حين تنزل من السماء فإن جئتنا بهذا صدقناك فنزلت الآية.
وروى ابن جرير أن الرجل منهم كان يتصدق بالصدقة فإذا تُقْبَلْ منه نزلت نار من السماء فأكلت ما نصدق به.
لكن دعواهم هذا العهد من مفترياتهم و أباطليهم و أكل النار للقربان لم يوجب الإيمان إلا لكونه معجزة فهو و سائر المعجزات سواء و ما مقصدهم من تلك المفتريات إلا عدم الإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم لأنه لن يأت بما قالوه و لو أتى به لآمنوا فرد الله عليهم بقوله :
قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات و بالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين أي قل موبخا لهم و مكذبا : قد جاءكم رسل كثيرون من قبلي كزكريا و يحيى و غيرهما بالمعجزات الدالة على صدق نبوتهم و بما كنتم تقترحون و تطلبون و أتوا بالقربان الذي تأكله النار فما لكم لم تؤمنوا بهم بل اجترأتم على قتلهم ؟ و هذا دليل على أنكم قوم غلاط الأكباد ( و بذلك وصفوا في التوراة ) قساة القلوب لا تفقهون الحق و لا تذعنون له و أنكم لم تطلبوا هذه المعجزة استرشادا بل تعنتا و عنادا.
وقد نسب هذا الفعل إلى من كان في عصر التنزيل وقد وقع من أسلافهم لأنهم راضون عما فعلوه معتقدون أنهم على حق في ذلك و الأمة في أخلاقها العامة و عاداتها كالشخص الواحد و قد كان هدا معروفا عند العرب و غيرهم فتراهم يلصقون جريمة الشخص بقبيلته و يؤاخذونها بها.
و الخلاصة : إن أسلافكم كانوا متعنتين و ما أنتم إلا كأسلافكم فلم يكن من سنة الله إجابتكم إلى ملتمسكم بالإتيان بالقربان إذ لا فائدة منه.
تفسير المراغي
المراغي