رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ قيل : معناه : على الإيمان برسلك. وقيل : معناه : على ألسنة رسلك. وهذا أظهر.
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عمرو بن محمد، عن أبي عِقَال، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" عَسْقَلان أحد العروسين، يبعث الله منها يوم القيامة سبعين١ ألفًا لا حساب عليهم، ويبعث منها خمسين٢ ألفا شهداء وُفُودًا إلى الله، وبها صُفُوف الشهداء، رؤوسهم مُقَّطعة في أيديهم، تَثِجّ أوداجهم دما، يقولون : رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ فيقول : صَدَق عبدي، اغسلوهم بنهر البيضة. فيخرجون منه نقاء بيضًا، فيسرحون في الجنة حيث شاؤوا ".
وهذا الحديث يُعد من غرائب المسند، ومنهم من يجعله موضوعا، والله أعلم٣.
وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أي : على رؤوس الخلائق إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ أي : لا بد من الميعاد الذي أخبرتَ عنه رسُلَك، وهو القيام يوم القيامة بين يديك.
وقد قال الحافظ أبو يعلى : حدثنا الحارث بن سُرَيْج٤ حدثنا المعتمر، حدثنا الفضل بن عيسى، حدثنا محمد بن المنكدر ؛ أن جابر بن عبد الله حدثه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" العار والتخزية تبلغ٥ من ابن آدم في القيامة في المقام بين يدي الله، عز وجل، ما يتمنى العبد أن يؤمر به إلى النار " حديث غريب٦.
حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر، أخبرني شريك بن عبد الله بن أبي نَمْر، عن كُرَيب عن ابن عباس قال : بت عند خالتي ميمونة، فتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة ثم رقد، فلما كان ثُلث الليل الآخر قَعد فنظر إلى السماء فقال : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ ثم قام فتوضأ واستن. فصلى إحدى عَشْرَة٧ ركعة. ثم أذّن بلالٌ فصلى ركعتين، ثم خرج فصلى بالناس الصبح.
وكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن إسحاق الصنعاني، عن ابن أبي مريم، به٨ ثم رواه البخاري من طُرقٍ عن مالك، عن مَخْرَمَة بن سليمان، عن كريب، عن ابن عباس٩ أنه بات عند ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وهي خالته، قال : فاضطجعت في عَرْض الوسادة، واضطجع١٠ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله في طُولها، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا انتصف الليل - أو قبله بقليل، أو بعده بقليل - استيقظَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من منامه، فجعل يمسحُ النومَ عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر الآيات الخواتيمَ من سُورة آل عمران، ثُم قام إلى شَنّ معلقة فتوضأ منها فأحسن وُضُوءه١١ ثم قام يصلّي - قال ابن عباس : فقمت فصنعت مثل ما صنع، ثم ذَهَبتُ فقمت إلى جَنْبه - فوضع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَدَه اليمنى على رأسي، وأخذ بأذني اليمنى يَفْتلُها١٢ فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن، فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خَرَجَ فصلّى الصبح.
وهكذا أخرجه بقية الجماعة من طُرُق عن مالك، به١٣ ورواه مسلم أيضًا وأبو داود من وجوه أخرَ، عن مخرمة بن سليمان، به١٤.
" طريق أخرى " لهذا الحديث عن ابن عباس [ رضي الله عنهما ]١٥.
قال أبو بكر بن مَرْدُويه : حدثنا محمد بن أحمد بن محمد بن علي، أخبرنا أبو يحيى بن أبي مسرَّة١٦ أنبأنا خَلاد بن يحيى، أنبأنا يونس بن أبي إسحاق، عن المنهال بن عَمْرو، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن عبد الله بن عباس١٧ قال : أمرني العباس أن أبيت بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظ صلاته. قال : فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس صلاة العشاء الآخرة، حتى إذا لم يبق في المسجد أحد غيره قام١٨ فمرّ بي، فقال :" من هذا ؟ عبد الله ؟ " فقلت١٩ نعم. قال :" فَمَه ؟ " قلت : أمرني العباسُ أن أبيت بكم الليلة. قال :" فالحق الحق " فلما٢٠ أن دخل قال :" افرشَنْ عبد الله ؟ " فأتى بوسادة من مسوح، قال فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها حتى سَمعتُ غَطِيطه، ثم استوى على فراشه قاعدا، قال : فَرَفَع رأسَه إلى السماء فقال :" سُبحان الملك القدوس " ثلاث مرات، ثم تلا هذه الآيات من آخر سورة آل عمران حتى ختمها.
وقد روى مسلم وأبو داود والنسائي، من حديث علي بن عبد الله بن عباس٢١ حديثا٢٢ في ذلك أيضا٢٣.
طريق أخرى رواها ابن مَرْدُويَه، من حديث عاصم بن بَهْدَلَة، عن بعض أصحابه، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس ؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ذات ليلة بعد ما مَضى ليل، فنظر إلى السماء، وتلا هذه الآية : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ إلى آخر السورة. ثم قال :" اللهم اجعل في قلبي نُورا، وفي سَمْعي نورا، وفي بَصَري نورا، وعن يميني نورا، وعن شمالي نورا، ومن بين يَدَيّ نورا، ومن خَلْفي نورا، ومن فَوْقي نورا، ومن تحتي نورا، وأعْظِم لي نورا يوم القيامة " وهذا الدعاء٢٤ ثابت في بعض طرق الصحيح، من رواية كُريب، عن ابن عباس، رضي الله عنه. ٢٥.
ثم روى ابن مَرْدُويَه وابن أبي حاتم من حديث جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال : أتت قريش اليهود فقالوا : بما جاءكم موسى من الآيات ؟ قالوا : عصاه ويده البيضاء٢٦ للناظرين. وأتوا النصارى فقالوا : كيف كان عيسى فيكم ؟ قالوا : كان يُبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى. فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : ادع لنا ربك٢٧ يجعل لنا الصَّفَا ذَهَبًا. فدعا ربه، عز وجل، فنزلت : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ قال :" فليتفكروا فيها " ٢٨ لفظ ابن مَرْدُويَه.
وقد تقدم سياق الطبراني لهذا الحديث في أول الآية، وهذا يقتضي أن تكون٢٩ هذه الآيات مكية، والمشهور أنها مدنية، ودليله الحديث الآخر، قال ابن مَرْدويه :
حدثنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل، أخبرنا أحمد بن على الحراني، حدثنا شجاع بن أشرس، حدثنا حَشْرج بن نباتة الواسطي أبو مكرم، عن الكلبي - هو أبو جَنَاب٣٠ [ الكلبي ]٣١ - عن عطاء قال : انطلقت أنا وابن عمر وعُبَيد بن عُمَير إلى عائشة، رضي الله عنها، فدخلنا عليها وبيننا وبينها حجاب، فقالت : يا عبيد، ما يمنعك من زيارتنا ؟ قال : قول الشاعر :
زُر غبّا تزدد حُبّا...
فقال ابن عمر : ذرينا٣٢ أخبرينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فَبَكَتْ وقالت : كُلُّ أمره كان عجبا، أتاني في ليلتي حتى مس جلده جلدي، ثم قال : ذريني أتعبد لربي [ عز وجل ]٣٣ قالت : فقلت : والله إني لأحب قربك، وإني أحب٣٤ أن تَعبد لربك. فقام إلى القربة فتوضأ ولم يكثر صب الماء، ثم قام يصلي، فبكى حتى بل لحيته، ثم سجد فبكى حتى بَل الأرض، ثم اضطجع على جنبه فبكى، حتى إذا أتى بلال يُؤذنه بصلاة الصبح قالت : فقال : يا رسول الله، ما يُبكيك ؟ وقد غفر الله لك ذنبك ما تقدم وما تأخر، فقال :" ويحك يا بلال، وما يمنعني أن أبكي وقد أنزل٣٥ عليّ في هذه الليلة : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ " ثم قال :" ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها ".
وقد رواه عَبْد بن حُمَيد، عن٣٦ جعفر بن عَوْن، عن أبي٣٧ جَنَاب٣٨ الكلبي عن٣٩ عطاء، بأطول من هذا وأتم سياقا٤٠.
وهكذا رواه أبو حاتم ابن حبان في صحيحه، عن عمران بن موسى، عن عثمان بن أبي شيبة، عن يحيى بن زكريا، عن إبراهيم بن سُوَيد النَّخعي، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء قال : دخلت أنا [ وعبد الله بن عمر ]٤١ وعُبَيد بن عُمَير على عائشة٤٢ فذكر٤٣ نحوه.
وهكذا رواه عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا في كتاب " التفكر والاعتبار " عن شجاع بن أشرص، به. ثم قال : حدثني الحسن بن عبد العزيز : سمعت سُنَيْدًا يذكر عن سفيان - هو الثوري - رفعه قال : من قرأ آخر آل عمران فلم يتفكر فيه ويْلَه. يعد بأصابعه عشرا. قال الحسن بن عبد العزيز : فأخبرني
عُبَيد بن السائب قال : قيل للأوزاعي : ما غاية التفكر فيهن ؟ قال : يقرأهن وهو يعقلهن.
قال ابن أبي الدنيا : وحدثني قاسم بن هاشم، حدثنا علي بن عَيَّاش، حدثنا عبد الرحمن بن سليمان قال : سألت الأوزاعي عن أدنى ما يَتَعلق به المتعلق من الفكر فيهن وما ينجيه من هذا الويل ؟ فأطرق هُنَيّة٤٤ ثم قال : يقرؤهن وهو يَعْقلُهُن.
[ حديث آخر فيه غرابة : قال أبو بكر بن مردويه : أنبأنا عبد الرحمن بن بشير بن نمير، أنبأنا إسحاق بن إبراهيم البستي ح وقال : أنبأنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حدثنا أحمد بن عمرو قالا أنبأنا هشام بن عمار، أنبأنا سليمان بن موسى الزهري، أنبأنا مظاهر بن أسلم المخزومي، أنبأنا سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ عشر آيات من آخر سورة آل عمران كل ليلة. مظاهر بن أسلم ضعيف ]٤٥.
٢ في جـ، ر، أ: "خمسون"..
٣ المسند (٣/٢٢٥) وقد ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (٢/٥٤) وقال: "هذا حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجميع طرقه تدور على أبي عقال واسمه: هلال بن زيد بن يسار. قال ابن حبان: يروي عن أنس أشياء موضوعة ما حدث أنس بها قط، لا يجوز الاحتجاج به بحال"، وذكره الذهبي في الميزان (٤/٣١٣) وقال: "باطل". وانظر كلام الحافظ ابن حجر في: القول المسدد برقم (٨) فقد ذكر أن الحديث في فضائل الأعمال والتحريض على الرباط في سبيل الله وأن التسامح في رواية مثله طريقة الإمام أحمد - رحمه الله - ثم ساق له شواهد، فراجعها إن شئت.
.
٤ في جـ، ر: "شريح"..
٥ في جـ، ر: "يبلغ"..
٦ مسند أبي يعلى (٣/٣١١) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٣٥٠): "وفيه الفضل بن عيسى الرقاشي، وهو مجمع على ضعفه"..
وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ هذه الآيات العشر من آخر آل عمران إذا قام من الليل لتهجده، فقال البخاري، رحمه الله :
حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر، أخبرني شريك بن عبد الله بن أبي نَمْر، عن كُرَيب عن ابن عباس قال : بت عند خالتي ميمونة، فتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة ثم رقد، فلما كان ثُلث الليل الآخر قَعد فنظر إلى السماء فقال : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ ثم قام فتوضأ واستن. فصلى إحدى عَشْرَة٧ ركعة. ثم أذّن بلالٌ فصلى ركعتين، ثم خرج فصلى بالناس الصبح.
وكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن إسحاق الصنعاني، عن ابن أبي مريم، به٨ ثم رواه البخاري من طُرقٍ عن مالك، عن مَخْرَمَة بن سليمان، عن كريب، عن ابن عباس٩ أنه بات عند ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وهي خالته، قال : فاضطجعت في عَرْض الوسادة، واضطجع١٠ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله في طُولها، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا انتصف الليل - أو قبله بقليل، أو بعده بقليل - استيقظَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من منامه، فجعل يمسحُ النومَ عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر الآيات الخواتيمَ من سُورة آل عمران، ثُم قام إلى شَنّ معلقة فتوضأ منها فأحسن وُضُوءه١١ ثم قام يصلّي - قال ابن عباس : فقمت فصنعت مثل ما صنع، ثم ذَهَبتُ فقمت إلى جَنْبه - فوضع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَدَه اليمنى على رأسي، وأخذ بأذني اليمنى يَفْتلُها١٢ فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن، فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خَرَجَ فصلّى الصبح.
وهكذا أخرجه بقية الجماعة من طُرُق عن مالك، به١٣ ورواه مسلم أيضًا وأبو داود من وجوه أخرَ، عن مخرمة بن سليمان، به١٤.
" طريق أخرى " لهذا الحديث عن ابن عباس [ رضي الله عنهما ]١٥.
قال أبو بكر بن مَرْدُويه : حدثنا محمد بن أحمد بن محمد بن علي، أخبرنا أبو يحيى بن أبي مسرَّة١٦ أنبأنا خَلاد بن يحيى، أنبأنا يونس بن أبي إسحاق، عن المنهال بن عَمْرو، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن عبد الله بن عباس١٧ قال : أمرني العباس أن أبيت بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظ صلاته. قال : فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس صلاة العشاء الآخرة، حتى إذا لم يبق في المسجد أحد غيره قام١٨ فمرّ بي، فقال :" من هذا ؟ عبد الله ؟ " فقلت١٩ نعم. قال :" فَمَه ؟ " قلت : أمرني العباسُ أن أبيت بكم الليلة. قال :" فالحق الحق " فلما٢٠ أن دخل قال :" افرشَنْ عبد الله ؟ " فأتى بوسادة من مسوح، قال فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها حتى سَمعتُ غَطِيطه، ثم استوى على فراشه قاعدا، قال : فَرَفَع رأسَه إلى السماء فقال :" سُبحان الملك القدوس " ثلاث مرات، ثم تلا هذه الآيات من آخر سورة آل عمران حتى ختمها.
وقد روى مسلم وأبو داود والنسائي، من حديث علي بن عبد الله بن عباس٢١ حديثا٢٢ في ذلك أيضا٢٣.
طريق أخرى رواها ابن مَرْدُويَه، من حديث عاصم بن بَهْدَلَة، عن بعض أصحابه، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس ؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ذات ليلة بعد ما مَضى ليل، فنظر إلى السماء، وتلا هذه الآية : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ إلى آخر السورة. ثم قال :" اللهم اجعل في قلبي نُورا، وفي سَمْعي نورا، وفي بَصَري نورا، وعن يميني نورا، وعن شمالي نورا، ومن بين يَدَيّ نورا، ومن خَلْفي نورا، ومن فَوْقي نورا، ومن تحتي نورا، وأعْظِم لي نورا يوم القيامة " وهذا الدعاء٢٤ ثابت في بعض طرق الصحيح، من رواية كُريب، عن ابن عباس، رضي الله عنه. ٢٥.
ثم روى ابن مَرْدُويَه وابن أبي حاتم من حديث جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال : أتت قريش اليهود فقالوا : بما جاءكم موسى من الآيات ؟ قالوا : عصاه ويده البيضاء٢٦ للناظرين. وأتوا النصارى فقالوا : كيف كان عيسى فيكم ؟ قالوا : كان يُبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى. فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : ادع لنا ربك٢٧ يجعل لنا الصَّفَا ذَهَبًا. فدعا ربه، عز وجل، فنزلت : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ قال :" فليتفكروا فيها " ٢٨ لفظ ابن مَرْدُويَه.
وقد تقدم سياق الطبراني لهذا الحديث في أول الآية، وهذا يقتضي أن تكون٢٩ هذه الآيات مكية، والمشهور أنها مدنية، ودليله الحديث الآخر، قال ابن مَرْدويه :
حدثنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل، أخبرنا أحمد بن على الحراني، حدثنا شجاع بن أشرس، حدثنا حَشْرج بن نباتة الواسطي أبو مكرم، عن الكلبي - هو أبو جَنَاب٣٠ [ الكلبي ]٣١ - عن عطاء قال : انطلقت أنا وابن عمر وعُبَيد بن عُمَير إلى عائشة، رضي الله عنها، فدخلنا عليها وبيننا وبينها حجاب، فقالت : يا عبيد، ما يمنعك من زيارتنا ؟ قال : قول الشاعر :
زُر غبّا تزدد حُبّا...
فقال ابن عمر : ذرينا٣٢ أخبرينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فَبَكَتْ وقالت : كُلُّ أمره كان عجبا، أتاني في ليلتي حتى مس جلده جلدي، ثم قال : ذريني أتعبد لربي [ عز وجل ]٣٣ قالت : فقلت : والله إني لأحب قربك، وإني أحب٣٤ أن تَعبد لربك. فقام إلى القربة فتوضأ ولم يكثر صب الماء، ثم قام يصلي، فبكى حتى بل لحيته، ثم سجد فبكى حتى بَل الأرض، ثم اضطجع على جنبه فبكى، حتى إذا أتى بلال يُؤذنه بصلاة الصبح قالت : فقال : يا رسول الله، ما يُبكيك ؟ وقد غفر الله لك ذنبك ما تقدم وما تأخر، فقال :" ويحك يا بلال، وما يمنعني أن أبكي وقد أنزل٣٥ عليّ في هذه الليلة : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ " ثم قال :" ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها ".
وقد رواه عَبْد بن حُمَيد، عن٣٦ جعفر بن عَوْن، عن أبي٣٧ جَنَاب٣٨ الكلبي عن٣٩ عطاء، بأطول من هذا وأتم سياقا٤٠.
وهكذا رواه أبو حاتم ابن حبان في صحيحه، عن عمران بن موسى، عن عثمان بن أبي شيبة، عن يحيى بن زكريا، عن إبراهيم بن سُوَيد النَّخعي، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء قال : دخلت أنا [ وعبد الله بن عمر ]٤١ وعُبَيد بن عُمَير على عائشة٤٢ فذكر٤٣ نحوه.
وهكذا رواه عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا في كتاب " التفكر والاعتبار " عن شجاع بن أشرص، به. ثم قال : حدثني الحسن بن عبد العزيز : سمعت سُنَيْدًا يذكر عن سفيان - هو الثوري - رفعه قال : من قرأ آخر آل عمران فلم يتفكر فيه ويْلَه. يعد بأصابعه عشرا. قال الحسن بن عبد العزيز : فأخبرني
عُبَيد بن السائب قال : قيل للأوزاعي : ما غاية التفكر فيهن ؟ قال : يقرأهن وهو يعقلهن.
قال ابن أبي الدنيا : وحدثني قاسم بن هاشم، حدثنا علي بن عَيَّاش، حدثنا عبد الرحمن بن سليمان قال : سألت الأوزاعي عن أدنى ما يَتَعلق به المتعلق من الفكر فيهن وما ينجيه من هذا الويل ؟ فأطرق هُنَيّة٤٤ ثم قال : يقرؤهن وهو يَعْقلُهُن.
[ حديث آخر فيه غرابة : قال أبو بكر بن مردويه : أنبأنا عبد الرحمن بن بشير بن نمير، أنبأنا إسحاق بن إبراهيم البستي ح وقال : أنبأنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حدثنا أحمد بن عمرو قالا أنبأنا هشام بن عمار، أنبأنا سليمان بن موسى الزهري، أنبأنا مظاهر بن أسلم المخزومي، أنبأنا سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ عشر آيات من آخر سورة آل عمران كل ليلة. مظاهر بن أسلم ضعيف ]٤٥.
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة