قوله تعالى : رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ في هذا الجارّ ثلاثة أوجهٍ :
أحدها : أنه متعلق ب " وعدتنا ".
قال الزمخشريُّ :" على - هذه - صلة للوعد، كما في قولك : وعد اللَّه الْجَنَّةَ على الطَّاعَةِ، والمعنى : ما وعدتنا على تصديق رُسُلك ".
ثانيها : أنه متعلقٌ بمحذوفٍ، على أنه حالٌ من المفعولِ، وقدَّره الزمخشريُّ بقوله : ما وعدتنا مُنَزَّلاً على رسلك، أو محمولاً على رسلك ؛ لأنَّ الرُّسُلَ مُحَمَّلون ذلك قال تعالى : فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ [ النور : ٥٤ ].
وردَّ عليه أبو حيّان : بأنَّ الذي قدَّره محذوفاً كون مقيّد، وقد عُلِم من القواعد أنَّ الظرفَ والجارَّ إذا وقعَا حالَيْن، أو وَصْفَيْن، أو خَبَرَيْن، أو صِلَتَيْن تعلَّقاً بكون مطلق، والجار - هنا - وقع حالاً، فكيف يقدر متعلقه كوناً مقيَّداً، وهو منزَّل، أو محمول ؟
ثالثها :- ذكره أبو البقاء - أن يتعلق " على " ب " آتِنَا " وقدر مضافاً محذوفاً، فقال : على ألْسِنة رسُلك وهو حسن.
وقرأ الأعمشُ : على رُسْلِكَ - بسكون السّينِ.
فإن قيل : إن الخُلْف في وَعْد اللَّهِ - تعالى - محالٌ، فكيف طلبوا ما علموا أنه واقع لا محالة ؟
فالجوابُ من وجوهٍ :
الأول : أنه ليس المقصود من الدعاء طلب الفعلِ، بل المقصود منه إظهارُ الخضوعِ والذَّلَّة والعبودية، وقد أمِرْنا بالدعاء بأشياء نقطع بوجودها لا محالة، كقوله :
قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ [ الأنبياء : ١١٢ ] وقوله : فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَاتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ
[ غافر : ٧ ].
الثاني : أنَّ وعدَ اللَّهِ لا يتناول آحاد الأمة بأعيانهم، بل بحسب أوصافهم، فإنه - تعالى - وعد المتقين بالثوابِ، ووعد الفُسَّاقَ بالعقاب، فقوله : وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا معناه : وفَّقْنا للأعمال التي نصير بها أهلاً لوعدك، واعصمْنا من الأعمال التي نصير بها أهلاً للعقابِ والخِزْي.
الثالث : أن اللَّهَ - تَعَالَى - وعد المؤمنينَ بأن ينصُرَهُمْ في الدُّنُيَا على أعدائِهِم، فهُم طلبوا تعجيل ذلك.
فصل
دلَّت الآية على أنَّهُم إنَّمَا طلبوا منافعَ الآخرةِ بحُكْم الوعدِ لا بحُكْم الاستحقاق ؛ لقولهم : وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ ثم قالوا : إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ وهذا يدلُّ على أنَّ المقتضي لحصول منافع الآخرةِ هُوَ الوَعْدُ لا الاستحقاقُ.
فإن قيلَ : متى حصل الثوابُ لزم اندفاعُ العقابِ لا محالةَ، فلما طلبوا الثَّوابَ بقولهم : وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا كيف طلبوا ترك العقاب بقولهم : وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بل لو طلب ترك العقاب - أولاً - ثم طلب الثَّوابَ بعده لاستقام الكلامُ ؟
فالجوابُ من وجهينِ :
الأول : أن الثَّوابَ شرطه أن يكون منفعة مقرونة بالتعظيم والسرور، فقوله : وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا المراد منه المنافعُ وقوله : وَلاَ تُخْزِنَا المرادُ منه التعظيمُ.
الثاني : ما تقدم من أنّ المقصودَ طلب التوفيق إلى الطاعة، والعصمة عن المعصية، كأنه قيل : وفقنا للطاعات، وإذا وفقتنا فاعصمنا عما يبطلها، ويوقعنا في الخزي. وعلى هذا يحسن النظم. و " الميعاد " مصدر بمعنى الوَعْد.
قوله : يَوْمَ الْقِيَامَةِ فيه وجهان :
الأول : أنه منصوب ب وَلاَ تُخْزِنَا .
والثَّاني : أنه أجاز أبو حيَّان أن يكونَ من باب الإعمالِ ؛ إذ يصلح أن يكون منصوباً ب وَلاَ تُخْزِنَا وب وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا إذا كان الموعود به الجنة.
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود