أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة
المعنى الجملي
بعد أن بين في الآيات السالفة حقيقة الدين الذي يقبله الله، وأنه الإسلام لوجهه تعالى، وذكر أن اختلاف أهل الكتاب فيه إنما نشأ من البغي بعد أن جاءهم العلم، ثم ذكر محاجة أهل الكتاب جميعا ومشركي العرب للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم أردفه ببيان أن إعراضهم عن الحق لا يضيره شيئا، فما عليه إلا البلاغ.
انتقل هنا إلى الكلام عن اليهود خاصة، وعير الحاضرين منهم بما فعله السالفون من آبائهم، لأن الأمة في تكافلها، وجرى لاحقها على أثر سابقها كأنها شخص واحد على ما سلف مثله في سورة البقرة.
وقد يكون هذا كلاما مع اليهود الذين في عصر التنزيل، فإنهم هموا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم زمن نزول الآية، إذ السورة مدنية كما هم بذلك قومه الأميون بمكة من قبل، وكان كل من الفريقين حربا له، وعلى هذا فالآية فيمن سبق ذكرهم من أهل الكتاب والأميين، فكل منهما قاتله وقاتل الذين يأمرون بالقسط من المؤمنين.
الإيضاح :
أي إن هؤلاء الذين فعلوا تلك القبائح يبطل الله أعمالهم في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فلأنهم لم ينالوا بها حمدا ولا ثناء من الناس، إذ هم كانوا على ضلال وباطل، ولعنهم الله وهتك أستارهم وأبدى ما كانوا يخفون من قبائح أعمالهم على ألسن أنبيائه ورسله، وذلك هو حبوطها في الدنيا، وأما في الآخرة فلا ثواب لها، بل قد أعد لهم العذاب الأليم، والخلود في الجحيم.
وما لهم من ناصرين ينصرونهم من بأس الله وعذابه، وقد نفى الله عنهم الناصر الذي يدفع العذاب عنهم، لأنهم لما قتلوا النبيين والذين يأمرون بالقسط وهم ناصروا الحق، ولم يوجد فيهم ناصر يحول بينهم وبين قتلهم- جوزوا بعذاب لا ناصر لهم منه ولا معين.
وقد جعل الله وعيدهم ثلاثة أصناف :
١ اجتماع أسباب الآلام والمكاره وهو العذاب الأليم.
٢ زوال أسباب المنافع بحبوط الأعمال في الدنيا والآخرة ؛ ففي الدنيا بإبدال المدح بالذم والثناء باللعن، وفي الآخرة بما أشار إليه بقوله :
وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا .
٣ دوام هذا العذاب وهو ما أشار إليه بقوله وما لهم من ناصرين .
تفسير المراغي
المراغي