سبحان الملك القدوس سبحان الكريم) او قال (الكبير المتعال لا اله الا الله الحي القيوم فاذا فعل ذلك سبحت ديكة الأرض كلها وخفقت بأجنحتها فاذا سكن ذلك الديك سكنت ديكة الأرض كلها ثم إذا كان بعض الليل نشر جناحيه فجاوز بهما المشرق والمغرب وخفق بهما ثم صرخ بالتسبيح لله يقول سبحان الله العلى العظيم سبحان العزيز القهار سبحان الله رب العرش الرفيع فاذا فعل ذلك سبحت ديكة الأرض بمثل قوله وخفقت بأجنحتها وأخذت فى الصراخ وإذا سكن ذلك الديك سكنت ديكة الأرض ثم إذا هاج بنحو فعله فى السماء هاجت الديكة فى الأرض يجاوبونه تسبيحا لله تعالى بنحو قوله) والمقصود من هذا ان التسبيح إذا كان من فعل اهل السماء والأرض خصوصا الحيوانات العجم بل النباتات كما قال تعالى وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ فان الإنسان اولى بان يشتغل بالدعاء والتسبيح خصوصا فى الخلوات واوقات الاسحار قال الامام القشيري رحمه الله الصابرين على ما امر الله والصادقين فيما عاهدوا الله والقانتين بالاستقامة فى محبة الله والمنفقين فى سبيل الله والمستغفرين من جميع ما فعلوا لرؤية تقصيرهم شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ بانه لا إِلهَ إِلَّا هُوَ نزلت حين جاء رجلان من أحبار الشام فقالا للنبى عليه السلام أنت محمد قال (نعم) فقالا أنت احمد قال (انا محمد واحمد) قالا أخبرنا عن أعظم الشهادة فى كتاب الله فاخبرهما اى اثبت الله بالحجة القطعية واعلم بمصنوعاته الدالة على توحيده انه واحد لا شريك له فى خلقه الأشياء إذ لا يقدر أحد ان ينشئ شيأ منها. قال ابن عباس خلق الله تعالى الأرواح قبل الأجساد باربعة آلاف سنة وخلق الأرزاق قبل الأرواح باربعة آلاف سنة فشهد لنفسه قبل خلق الخلق حين كان ولم يكن سماء ولا ارض ولا بر ولا بحر فقال شَهِدَ اللَّهُ الآية وَالْمَلائِكَةُ عطف على الاسم الجليل بحمل الشهادة على معنى مجازى شامل للاقرار والايمان بطريق عموم المجاز اى أقرت الملائكة بذلك لما عاينت من عظم قدرته وَأُولُوا الْعِلْمِ اى أمنوا به واحتجوا عليه بالادلة التكوينية والتشريعية وهم الأنبياء والمؤمنون الذين علموا توحيده وأقروا به اعتقادا صحيحا فشبه دلالته على وحدانيته بأفعاله الخاصة التي لا يقدر عليها غيره تعالى واقرار الملائكة واولى العلم بذلك بشهادة الشاهد فى البيان والكشف قائِماً بِالْقِسْطِ نصب على الحال المؤكدة من هو دون من ذكر معه لأمن اللبس إذ القيام بالقسط من الصفات الخاصة به تعالى ومثله جاء زيد وهند راكبا جاز لاجل التذكير ولو قلت جاء زيد وعمرو راكبا لم يجز للبس اى مقيما بالعدل فى قسمة الأرزاق والآجال والاثابة والمعاقبة وما يأمر به عباده وينهاهم عنه من العدل والتسوية فيما بينهم ودفع الظلم عنهم لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ كرر المشهود به لتأكيد التوحيد ليوحدوه ولا يشركوا به شيأ لانه ينتقم ممن لا يوحده بما لا يقدر على مثله منتقم ويحكم ما يريد على جميع خلقه لا معقب لحكمه لغلبته عليهم إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ جملة مستأنفة مؤكدة للاولى اى لا دين مرضيا لله تعالى سوى الإسلام الذي هو التوحيد والتشرع بالشريعة الشريفة وهو الدين الحق منذ بعث الله آدم عليه السلام وما سواه من الأديان فكلها باطلة. قال شيخنا العلامة فى بعض تحريراته المقصود من إنزال الكلام مطلق الدعوة الى الدين الحق
صفحة رقم 12
والدين الحق من زمن آدم الى نبينا عليهما الصلاة والسلام الإسلام كما قال تعالى إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وحقيقة دين الإسلام التوحيد وصورته الشرائع التي هى الشروط وهذا الدين من ذلك الزمان الى يوم القيامة واحد بحسب الحقيقة وسواء بين الكل ومختلف بحسب الصورة والشروط وهذا الاختلاف الصوري لا ينافى الاتحاد الأصلي والوحدة الحقيقة انتهى. وعن قتادة ان الإسلام شهادة ان لا اله الا الله والإقرار بما جاء من عند الله. وعن غالب القطان قال أتيت الكوفة فى تجارة فنزلت قريبا من الأعمش فكنت اختلف اليه فلما كنت ذات ليلة أردت ان احدر الى البصرة قام من الليل متهجدا فمر بهذه الآية شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ قال الأعمش وانا اشهد بما شهد الله به واستودع الله هذه الشهادة وهى لى عند الله وديعة ان الدين عند الله
الإسلام قالها مرارا قلت لقد سمع فيها شيأ فصليت معه وودعته ثم قلت آية سمعتك ترددها فما بلغك فيها قال والله لا أحدثك بها الى سنة فلبثت على بابه من ذلك اليوم فاقمت سنة فلما مضت السنة قلت يا أبا محمد قد مضت السنة قال حدثنى ابو وائل عن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ (يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله ان لعبدى هذا عندى عهدا وانا أحق من وفى بالعهد ادخلوا عبدى الجنة) ويناسب هذا ما يقال عهدنا لله. عن ابى مسعود رضى الله عنه ان النبي ﷺ قال لاصحابه ذات يوم (أيعجز أحدكم ان يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهدا) قالوا وكيف ذلك قال (يقول كل صباح ومساء اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة انى اعهد إليك بانى اشهد ان لا اله الا أنت وحدك لا شريك لك وان محمدا عبدك ورسولك وانك ان تكلنى الى نفسى تقربنى من الشر وتباعدني من الخير وانى لا أثق الا برحمتك فاجعل لى عهدا توفينيه يوم القيامة انك لا تخلف الميعاد فاذا قال ذلك طبع عليه بطابع) اى ختم عليه بخاتم (ووضع تحت العرش فاذا كان يوم القيامة نادى مناد اين الذي لهم عند الله عهد فيدخلون الجنة) فلا بد من الدعاء فى الصبح والمساء لله الذي هو خالق الأرض والسماء ومن الإخلاص الذي هو ملاك الأمر كله فى طاعة المرء وعمله
| عبادت بإخلاص نيت نكوست | وگر نه چهـ آيد ز بي مغز پوست |
بما ذكر من ان الدين عند الله الإسلام ولم يعمل بمقتضاها فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ قائم مقام جواب الشرط علة له اى ومن يكفر بآياته تعالى فانه يجازيه ويعاقبه عن قريب فانه سريع الحساب اى يأتى حسابه عن قريب او سريع فى محاسبة جميع الخلائق لانه يحاسبهم فى اقل من لمحة بحيث يظن كل أحد منهم انه اى الله يحاسب نفسه فقط فَإِنْ حَاجُّوكَ اى فى كون الدين عند الله الإسلام فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ اى أخلصت نفسى وقلبى وجملتى لِلَّهِ وحده لم اجعل فيها لغيره شركا بان اعبده وادعوه الها معه يعنى دين التوحيد وهو القديم الذي ثبتت عندكم صحته كما ثبتت عندى وما جئت بشئ بديع حتى تجادلونى فيه وَمَنِ اتَّبَعَنِ عطف على المتصل فى أسلمت وحسن ذلك لمكان الفصل الجاري مجرى التأكيد بالمنفصل اى واسلم من اتبعنى وجوههم ايضا وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ اى من اليهود والنصارى وَالْأُمِّيِّينَ الذين لا كتاب لهم من مشركى العرب أَأَسْلَمْتُمْ متبعين لى كما فعل المؤمنون فانه قد آتاكم من البينات ما يوجبه ويقتضيه لا محالة فهل أسلمتم وعملتم بقضيتها أم أنتم بعد على كفركم وهو استفهام بمعنى الأمر اى اسلموا وهذا كقولك لمن لخصت له المسألة ولم تبق من طرق البيان والكشف طريقا إلا سلكته فهل فهمتها فَإِنْ أَسْلَمُوا اى كما أسلمتم واخلصتم فَقَدِ اهْتَدَوْا اى فازوا بالحظ الأوفر ونجوا من مهاوى الضلال وَإِنْ تَوَلَّوْا اى اعرضوا عن الاتباع وقبول الإسلام فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ قائم مقام الجواب اى لم يضروك شيأ إذ ما عليك الا البلاغ اى التبليغ بالرسالة دون الهداية وقد فعلت على ابلغ وجه- روى- ان رسول الله ﷺ لما قرأ هذه الآية على اهل الكتاب قالوا اسلمنا فقال ﷺ لليهود (أتشهدون ان عيسى كلمة الله وعبده ورسوله) فقالوا معاذ الله وقال ﷺ للنصارى (أتشهدن ان عيسى عبد الله ورسوله) فقالوا معاذ الله ان يكون عيسى عبدا وذلك قوله عز وجل وان تولوا وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ عالم بجميع أحوالهم وهو وعد ووعيد إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ أي آية كانت فيدخل فيهم الكافرون بالآيات الناطقة بحقية الإسلام وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ هم اهل الكتاب قتل اولوهم الأنبياء عليهم السلام وقتلوا اتباعهم وهم راضون بما فعلوا وكانوا حاولوا قتل النبي ﷺ والمؤمنين لولا عصمهم الله وقد أشير اليه بصيغة الاستقبال قال فى سورة البقرة بِغَيْرِ الْحَقِّ اى بغير الحد الذي حده الله واذن فيه والنكرة هاهنا على معنى ان القتل يكون بوجوه من الحق فمعناه يقتلون بغير حق من تلك الحقوق وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ اى بالعدل مِنَ النَّاسِ عن ابى عبيدة بن الجراح رضى الله عنه قلت يا رسول الله أي الناس أشد عذابا يوم القيامة قال (رجل قتل نبيا او رجلا امر بمعروف او نهى عن منكر) ثم قرأها ثم قال (يا أبا عبيدة قتلت بنوا إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول نهار فى ساعة واحدة فقام مائة واثنا عشر رجلا من عباد بنى إسرائيل فامروا قتلتهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا من آخر النهار) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ اى وجيع دائم جعل لهم بدل البشارة وهو الاخبار السار الاخبار بالنار وهو كقول القائل تحية بينهم ضرب وجيع أُولئِكَ المتصفون بتلك الصفات
صفحة رقم 14روح البيان
إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء