(أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٢)
* * *
الإشارة إلى هؤلاء الذين يحاجون بالباطل، ولا يسلمون وجوههم لله، ولا يذعنون للحق، ويقتلون الأنبياء، ويقتلون دعاة الحق؛ هؤلاء بسبب هذه الصفات
وهذه الأعمال حبطت أعمالهم، أي بطلت وأصبحت لَا تنتج إلا شرا لصاحبها، كالدابة التي تأكل شر الثمار حتى ينتفخ بطنها من سوء ما تأكل، وَحَبْطُ الأعمال أن لَا تنتج خيرا لصاحبها، وأن يكون الجزاء عليها شرا، وأن تكون نتيجتها سوءًا، فيحاسب الله الفاعلين على نياتهم التي طويت في صدورهم وعملوا الأعمال باسم الخير، وهي للشر، وأولئك الأشرار يبطل الله أعمالهم ويحبطها، فجزاؤها شر في الآخرة بعذاب أليم، وفي الدنيا بذهاب دولتهم وسلطانهم؛ لأن الإعراض عن الحق، ومعاقبة من ينطق بكلمة الحق، وقتل الذين يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن النكر، من شأنه أن يفسد الدولة، وإذا فسدت الجماعة ذهبت القوة، ولذا قال سبحانه: (وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ) أي ليس لهم أي ناصر، فالنفي المستغرق مع تأكيده بمن الزائدة، يفيد أنه لَا يمكن أن يكون لمن يقتل الداعي إلى الخير ناصر مطلقا؛ لأن الناس لَا يثقون به ويتقونه ولا يطمئنون إليه، ولا يمكن أن يعيش امرؤ هنيئا إلا بثقة من الناس. ولقد قال - ﷺ -: " خير الناس آمَرُهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأتقاهم لله، وأوصلهم للرحم " (١).
* * *
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥)
* * *
________
(١) رواه أحمد: مسند القبائل (٢٦١٦٥).
قد بين سبحانه وتعالى في الآيات السابقة عن ماضي اليهود من أهل الكتاب أنهم اختلفوا بغْيًا بينهم مع أن أسباب العلم متوافرة بين أيديهم، ولكن البغي ومجاوزة الحد إن سكنا في رءوس قوم أذهب عنهم الهداية، وتحكمت فيهم الغواية مهما تكن أسباب العلم قائمة؛ وبين سبحانه أيضا أنهم قوم غير مخلصين في طلب الحقيقة، وأنهم لو أخلصوا لوصلوا، وأن محاجتهم للنبي - ﷺ - منبعثة عن الهوى والغرض. وفي هذه الآيات يبين سبحانه صورة حسّية عن مناقشتهم للنبي - ﷺ -؛ يكون الحق محسوسا بين أيديهم ويعرضون بعد أن تتبين الحجة ناصعة.
صفحة رقم 1160زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة