قوله تعالى: ذلك بِأَنَّهُمْ : يجوزُ في «ذلك» وجهان، أًصحُّهما: أنه مبتدأٌ والجارُّ بعده خبرهُ، أي: ذلك التولِّي بسببِ هذه الأقوالِ الباطلةِ التي لا حقيقةَ لها. والثاني: أن «ذلك» خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي: الأمرُ ذلك، وهو قولُ الزجاج. وعلى هذا فقولُه: «بأنهم» متعلق بذلك المقدَّر، وهو الأمر ونحوه. وقال أبو البقاء: «فعلى هذا يكون قوله:» بأنهم «في موضعِ نصبٍ على الحال مِمَّا في» ذا «من معنى الإِشارة أي: ذلك الأمرُ مستحقاً بقولِهم»، ثم قال: «وهذا ضعيفٌ». قلت: بل لا يجوزُ البتة.
صفحة رقم 95
وجاء هنا «معدودات» بصيغة الجمع، وفي البقرة: مَّعْدُودَةً [الآية: ٨٠] تفنُّناً في البلاغة، وذلك أنَّ جَمْعَ التكسيرِ غيرَ العاقلِ يجوزُ أَنْ يعامَلَ معاملةَ الواحدةِ المؤنثة تارةً ومعاملةَ جمعِ الإِناث أخرى، فيقال: «هذه جبالٌ راسيةٌ» وإن شئت: «راسيات»، و «جِمال ماشية» وإن شئت: «ما شيات». وخُصَّ الجمعُ بهذا الموضعِ لأنه مكانُ تشنيع عليهم بما فعلوا وقالوا، فأتى بلفظِ الجمعِ مبالغةً في زَجْرِهم وزجرِ مَنْ يعملُ بعملهم.
قوله: وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ الغُرور: الخِداع، يقال منه: غَرَّه يَغِرُّه غُرورا فهو غارٌّ ومغرور، والغَرور بالفتح مثالُ مبالغة، كالضَّروب، والغِرُّ: الصغير، والغَريرة: الصغيرة لأنهما يَنْخَدِعَان والغِرَّةُ مأخوذة من هذا. يقال: «أخَذَه على غِرَّة» أي: تَغَفُّل وخداع، والغُرَّةُ: بياضٌ في الوجهِ، يقال منه: وَجْهٌ أَغرُّ ورجل [أغرُّ] وامرأة «غَرَّاء»، والجمعُ القياسي: غُرٌّ، وغيرُ القياسي: غُرَّان. قال:
| ١٢١١ - ثيابُ بني عوفٍ طَهارى نَقِيَّةٌ | وأوجُهُهم عند المَشاهِدِ غُرَّانُ |
قوله: مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ «ما» يجوزُ أَنْ تكونَ مصدريةً أو بمعنى الذي، والعائدُ محذوفٌ أي: الذي كانوا يَفْتَرُونه. صفحة رقم 96
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي
أحمد بن محمد الخراط