يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا الظرف أعني يوم متعلق بتود وما موصولة ليست بشرطية لإجماع القراء على رفع تود، ولو كانت شرطية لذهب بعضهم إلى جزمه بناء على جواز الرفع و الجزم إذا كان الشرط ماضيا مع أن المروي عن المبرد أن الرفع شاذ يعني إذا كان الشرط ماضيا والجزاء مضارعا، والموصول مع صلته مفعول لتجد وهي بمعنى تصيب فلا يقتضي إلا مفعولا واحدا ومحضرا حال منه وما عملت من سوء معطوف على ما عملت من خير، ولعل المراد حينئذ بكل نفس هاهنا نفس مؤمنة خلطت عملا صالحا وآخر سيئا، وأما من ليس له إلا عمل صالح أو إلا عمل سيء فيظهر حاله بالمقايسة والمفهوم، فالله سبحانه برأفته يحضر للمؤمن عمله الصالح على رؤوس الخلائق دون عمله السوء بل تجده في نفسه وتود أن لا يظهره الله أو يظهره الله على الإخفاء والتستر كما في الصحيحين عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره فيقول : أتعرف ذنب كذا أتعرف ذنب كذا ؟ فيقول : نعم أي رب، حتى قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال : سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم فيعطى كتاب حسناته، وأما الكافر والمنافق فينادى بهم على رؤوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين " ١ وإن كان تجد بمعنى تعلم فحينئذ محضرا يكون مفعولا ثانيا له محمولا على ما عملت من خير وفيما عطف عليه يقدر مثله كما في قوله علمت زيدا فاضلا وعمروا، يعني تجد الخير والشر محضرين، وكلمة لو مقحمة وأن مع اسمها وخبرها مفعول لتود أو هي بمعنى ليت حكاية لودادهم وأن مع اسمها وخبرها بمنزلة الاسم مع الخبر لليت وحذف مفعول تود لما يدل عليه ما بعده، وجاز أن يكون لو مصدرية وبعد فعل مقدر فاعلها أن مع اسمها وخبرها وذلك الفعل بتأويل المصدر مفعول لتود، وضمير بينه راجع إلى اليوم أو ما عملت من سوء تقدير الكلام حين تصيب كل نفس عملها الخير أي صحيفة عملها أو جزاءه حال كونه محضرا وتصيب عملها أشر أو تعلم جزاء خيرها وشرها محضرين عندها تود أي تتمنى مسافة بعيدة بينها وبين ذلك اليوم وهوله لما يرى من عملها السوء وإن كان ذلك مع ما يرى من صالح عمله، فإن طمع النفع لا يصير مطمح نظره عند خوف الضرر أو بينها وبين عملها السوء أو يتمنى ثبوت مسافة بينها وبينه، والأمد الأجل والغاية التي ينتهي إليها. قال الحسن : يسر أحدهم أن لا يلقى عمله السوء أبدا أو قيل يود أنه لم يعمله وجاز أن يكون يوم متعلقا بقدير، ووجه تخصيص القدرة باليوم مع شموله لجميع الأزمنة وقوع الثواب أو العذاب في ذلك اليوم والمعنى والله بكل شيء من ثوابكم وعذابكم قدير يوم تجد، وجاز أن يكون منصوبا بمضمر فيقدر اذكر، والأولى أن يقدر يحذركم الله يوم تجد فلا يكون في عطف ويحذركم خفاء، وعلى هذه الوجوه تود حال مقدرة من الضمير في عملت من سوء يعني تجد ما عملت من سوء مقدرا حين ما عملت ذلك الوداد يوم القيامة، وجاز أن يكون تود خبرا لما عملت من سوء ويكون الواو في وما عملت من سوء للاستئناف وتمت الجملة الأولى على ما عملت من خير وجاز أن يكون الواو للعطف وتود بمنزلة المفعول الثاني لتجد محمولا على ما عملت من سوء أي تجد ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء هائلا بحيث تود أن بينها وبينه أمدا بعيدا، عن عدي بن حاتم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله وينظر شام منه فلا يرى إلا ما قدم وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة " ٢ ويحذركم الله نفسه جملة مستأنفة للتحذير عن ترك الواجبات وإتيان السيئات كما أن ما سبق كان للتحذير عن موالاة الكفار فلا تكرار، وجاز أن يكون معطوفة على أي يهاب من هذه اليوم أو من عمله السوء ويحذّركم الله نفسه بإظهار قهاريته يوم تجد، ولو كان الظرف متعلقا باذكر، جاز أن يكون هذه الجملة معطوفة على تجد أي اذكر يوم تجد ويوم يحذركم الله بإظهار قهاريته وهذه الجملة لبيان المعاملة مع الكفار وقوله تعالى :
والله رؤوف بالعباد ٣٠ أي بعباده المؤمنين لبيان المعاملة مع المسلمين، وجاز على التأويل الأول أن يكون هذه الجملة في مقام التعليل للجملة الأولى يعني إنما يحذركم الله نفسه لأنه رؤوف بالعباد يريد إصلاحهم.
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن الحسن مرسلا قال : قال أقوام على عهد نبينا صلى الله عليه وسلم يا محمد : إنا لنحب ربنا، فأنزل الله تعالى قل إن كنتم تحبون الله الآية، وروى ابن إسحاق وابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير أنها نزلت في وفد نجران لما قالوا إنما نعبد المسيح حبا لله، وقال البغوي : نزلت في اليهود والنصارى حيث قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه، وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما : وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قريش وهم في المسجد الحرام وقد نصبوا أصنامهم وعلقوا عليها بيض النعام وجعلوا في آذانها الشنوف وهم يسجدون لها فقال :" والله يا معشر قريش والله لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل " فقال قريش : إنما نعبدها حبا لله ليقربونا إلى الله زلفى فقال تعالى : قل إن كنتم تحبون الله .
٢ أخرجه البخاري في كتاب: التوحيد، باب: كلام الرب عز وجل يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم (٧٥١٢) وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: الحث على الصدقة ولو بشق تمرة (١٠١٦)..
التفسير المظهري
المظهري