فنبه بذلك أنه يعلم الشيء منا قبل أن نُظهره، وأنه يستوي عنده
السر والجهرُ، وعلى هذا قال: (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ)، وقال: (يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ)، فقدم الشر في هذا الموضع.
وقال في موضع: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ) فقدم الإبداء تنبيها أنهما عنده سواء.
قوله عز وجل: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠).
تقديره: يحذركم نفسَه يومَ تجد، أو اذكر يومَ تجد،
أو الله على كل شيء قدير يوم تجد.
وقوله: (مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ) مفعول تجد، (وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ) معطوف عليه، كأنه قيل: وما عملت من سوء محضراً، وتوفىّ: في موضع
الحال، وقيل: و (مَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ) استئناف، إما جزاء
و (تَوَدُّ) جوابه، وعلى هذا لو قرى (تَوَدُّ) بالفتح أو بالكسر
لجاز، وإما أن يكون بمعنى الذي متضمنا لمعنى الشرط،
وإن لم يكن في تقدير الجزم، نحو: الذي يأتينى له درهم.
والأولى أن يكون معطوفا كما تقدَّم، ووجودُ الأنفس ما
عملت: تصوره لها من حيث لا يخفى عليها، ونحوه مما دل على
ذلك قوله: (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)
وقوله: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ)
فاستنساخه وإحصاؤه: إذكارهم به حتى يعلموه، فإن من صفة
علم الإِنسان أن تحصل صورة المعلوم في قلبه وثبوت الصورة في
، القلب أوكد كتابة، ويجوز أن يكون معنى (تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ).
أي جزاء ما عملت من خير وشر.
إن قيل: ما فائدة حذف الجزاء في هذا المكان ونحوه من قوله: (ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ)، وقوله: (ذُوقُوا مَا كنُتُم تَكْسبُونَ).
وقوله: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)؟
قيل: لما أراد أن ينبِّه أن الإِنسان لا يُبخس حظه فيما يفعل من خير، ولا يُزاد عليه في جزاء ما يفعل من شر، ذكر نفس الفعل دون الجزاء؛ تنبيهاً له أن فعله مستوفى بالجزاء، حتى كأنه هو، كقولك: زيد هو أبوه بعينه.
إذا أريد المبالغة في التشبيه به، وإعادة قوله: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ)، توكيد
واستظهار عليهم.
فإن قيل: وكيف علَّقه بالرأفةِ؟
قيل: تنبيها لأمن المحبوب من حبيبه، ولهذا قال النبي عليه
الصلاة والسلام مخبراً عن الله: "لا يزال العبد يتقرَّب إليَّ
بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به.
وبصره الذي يبصر به " الخبر.
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار