ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬ

(يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)
المعنى الجملي للنص الكريم: خافوا الله واحذروه، واخشوا حسابه وعقابه، وارجوا ثوابه يوم تجد كل نفس ما عملت من خير ظاهرا ثابتا واضحا، كأنه قد أحضر من الدنيا إلى الآخرة فيرى رأي العين، وما عملت من شر معلوما كذلك كأنه رئي بالحس والبصر، وتود كل نفس أن لو يتأخر أمدا طويلا بعيدا، وذلك لأن ما يخافه الإنسان يتمنى أن يتأخر ويؤجل؛ ليكون عنده أطول فسحة من الأمان. وهنا عدة مباحث لفظية تجلي المعنى:
المبحث اللغوي الأول - متعلق (يَوْمَ تَجِدُ): لقد ذكر العلماء ثلاثة توجيهات؛ أولها ذكره الزمخشري أنه متعلق بـ " توَد " والمعنى: توَد كل نفس لو

صفحة رقم 1181

أن بينها وبينه أمدا بعيدا أي زمنا طويلا وقت أن تجد كل ما عملت محضرا من خير أو سوء.
وهذا يؤدي إلى أن من عملت خيرا تود أمدا بعيدا، مع من عملت سوءا، مع أن رجاء الثواب يسوغ تمنى المسارعة لَا تمنى التأجيل؛ ولهذا لَا نوافق عليه.
والوجه الثاني: أنه متعلق بقوله تعالى: (وَيُحَذّرُكُم اللَّه نَفْسَهُ) بدليل قوله تعالى مكررا التحذير، فقال: (وَيُحَذِّرُكُم اللَّهُ نَفْسَه) مرة أخرى، ولكن يرد على هذا بعد القول، ومجيء جملة مستقلة بينهما، واختلاف القائل؛ فالأول من قول الله ئعالى والتحذير من الله، والثاني من قول النبي - ﷺ - بأمر الله ولكن قد يرد هذا الاعتراض بأن قوله تعالى: (قُلْ إِن تخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ) معترضة بين كلامين متلازمين للمسارعة بإثبات شمول علم الله تعالى وقدرته.
التوجيه الثالث: أنه متعلق بمحذوف تقديره: اذكروا، وهذا أسلمها في نظري.
المبحث اللغوي الثاني - قوله تعالى: (وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ) أهي معطوفة على (مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ) أم " ما " مبتدأ خبره " تود "؛ أظهر الأقوال أنها مبتدأ وجملة تود خبر، والمعنى: ما عملت: ما عملت من خير تجده محضرا، وما عملت من سوء تتمنى كل نفس أن يكون بينها وبينه أمد بعيد.
المبحث الثالث - الأمد اسم للزمان كالأبد يتقاربان، لكن الأبد كما قال الأصفهاني مدة من الزمان ليس لها حد محدود، ولا يتقيد، فلا يقال: أبد كذا؛ أما الأمد فمدة لها حد مجهول، إذا لم يضف إلى غاية معينة، فإن أضيف كان محدودا بهذه الغاية. والمعنى أن النفس التي تجد عملها السعي محضرا تود لو يتأخر أمدا بعيدا، ولكن لَا تحقيق لهذا التمني.
ولقد كرر الله سبحانه التحذير من نفسه تذكيرا، وليكون في بال المؤمن دائما، ولبيان أن ذلك التحذير من دواعي الرحمة كما هو من تربية الرهبة، فهو

صفحة رقم 1182

قد ذكر تمهيدا لقوله تعالى: (وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) فتذكير العباد وتحذيرهم من رحمته بهم حتى لَا يؤخذوا أخذ عزيز مقتدر، وختمت الآية بهذا التذييل الكريم؛ لإثبات أن عقاب المسيء وثواب المحسن من الرحمة، فليس من الرحمة في شيء أن يتساوى المحسن والمسيء، ولإثبات أن ولاء المؤمنين ومعاداة الكافرين من الرحمة بالعباد، حتى لَا يعم الظلم وينتشر الفساد. اللهم وحِّد الولاية الإسلامية، واجعل المسلمين جميعا بعضهم أولياء بعض.
* * *
(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)
* * *
يؤمن المؤمن رغبة في الثواب، ويؤمن المؤمن خوفا من العقاب، ويؤمن المؤمن إذعانا للحق، ومحبة للرب، وإخلاصا وخلاصا من أدران الهوى، ومآثم هذه الدنيا؛ وتلك أعلى المراتب، وأشرف المناصب، وبها يعلو المؤمن.
وفى الآية السابقة حذر الله المؤمن من نفسه، فقال: (وَيُحَذّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) وقال: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) فكانت هذه الآية تدعو المؤمن إلى الطاعة ولزوم الجماعة بالترهيب، وفيها إشارة إلى الترغيب في قوله تعالى: (وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ).
وفى هذه الآية يدعو إلى الطاعة لَا خوف العقاب ولا رجاء الثواب، ولكن لأن الطاعة تؤدي إلى أعلى منازل السائرين، وهي المحبة: محبة الله لعبده، ومحبة العبد لربه.
قال بعض السلف: ادعى قوم محبة الله، فأنزل الله تعالى آية المحبة:

صفحة رقم 1183

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة

الناشر دار الفكر العربي
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية