ﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼ

قل إن كنتم تحبون الله الحب : بضم الحاء وكسره وكذا الحباب بهما والمحبة مصادر من أحبه يحبه فهو محبوب على غير قياس ومحبّ قليل وحببته أحبه حبا من ضرب يضرب شاذ، وهو عبارة عن اشتغال قلب المحب بالمحبوب وأنسه به بحيث يمنعه عن الالتفات إلى غيره ولا يكون له بد من دوام التوجه إليه والاشتغال به وهذا هو المعنى من قولهم العشق نار في القلوب تحرق ما سوى المحبوب، يعنى يقطع عن قلبه التوجه إلى غير المحبوب فيجعله نسيا منسيا كأن لم يكن في الوجود غير محبوبه حتى يسقط عن نظر بصيرته نفسه فلا يرى نفسه كما لا يرى غيره، ومقتضى تلك الصفة ابتغاء مرضات المحبوب وكراهة ما يكرهه طبعا وبالذات بلا ملاحظة طمع في ثوابه أو خوف من عقابه وإن اجتمع مع ذلك طمع وخوف أيضا، هذا تعريف المحبة من العبد وأما محبة الله تعالى لعبده فالله سبحانه منزه عن القلب واشتغاله ولا يمنعه شأن عن شأن فهي في حقه تعالى عبارة عن الأنس الساذج المقتضى لجذب العبد إلى جنابه وعدم إهماله وتركه إلى غيره، وجذب الله العبد إلى جنابه سبب للمحبة من العبد لله تعالى. فمحبة العبد لله تعالى فرع لمحبة الله تعالى إياه وظل لها قال الله تعالى : وألقيت عليك محبة مني (١) وقال يحبهم ويحبونه (٢) قدم يحبهم على يحبونه هذا ما ذكرت هو المحبة الذاتية، وما ذكر البيضاوي : أن المحبة ميل النفس إلى الشيء لكمال إدراك فيه بحيث يحمله على ما يقربه إليه فهو بيان للمحبة الصافية، وهي بمراحل عن المحبة الذاتية ألا ترى أن الأم تحب ولدها بلا ملاحظة كمال فيه فذلك قريب من المحبة الذاتية وليست منها لأن محبة الأم تتفرع على علم انتساب الولد إليها، وأما محبة الله تعالى فهي أعز وأعلى من ذلك. فقد ورد في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة وابن عباس وغيرهما مرفوعا بألفاظ مختلفة :" إن لله تبارك وتعالى مائة رحمة منها واحدة قسّمها بين الخلائق يتراحمون بها وادّخر لأوليائه تسعة وتسعين " (٣) وأما ما ذكر البغوي أنّ حب المؤمنين لله تعالى اتباعهم أمره وإيثار طاعته وابتغاء مرضاته وحب الله المؤمنين ثناؤه عليهم وثوابه لهم وعفوه عنهم فليس هذا تعريفا للمحبة بل بيان لمقتضاه وما يدل عليه فاتّبعوني الفاء للسببية وذلك لأن المحبة سبب لابتغاء مرضات الله تعالى، والمرضي من غير المرضي لا يدرك بالرأي بل بتعليم الله تعالى بتوسط الرسل، فثبت أن المحبة سبب لاتباع الرسل والاتباع دليل على وجودها وعدمه دليل عدمها فمن ادعى المحبة مع مخالفة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كذاب يكذبه كتاب الله تعالى يحببكم الله جواب للأمر تقديره إن تتبعوني يحببكم الله. فإن قيل : مقتضى هذه الآية إن محبة الله تعالى العبد يتفرغ على اتباع الرسول المتفرع على محبة من العبد لله تعالى المسبوق بمحبة من الله للعبد فيلزم الدور ؟ قلنا : هذه محبة أخرى من الله تعالى سوى المحبة السابقة فمحبة العبد لله تعالى محفوف بمحبتين من الله سبحانه سابق ولاحق فالمحبة السابقة ما ذكرناه سابقا والمحبة اللاحقة هي التي تقتضي الرحمة والتفضل الكامل الذي ورد في الحديث أن جزءا واحدا منها أي من الرحمة قسمها الله بين الخلائق وادخر لأوليائه تسعة وتسعين، ولاقتضاء تلك المحبة اللاحقة من الله تعالى المغفرة والرحمة عطف عليه قوله : ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم .

١ سورة طه، الآية: ٣٩..
٢ سورة المائدة، الآية: ٥٤..
٣ أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: الخوف مع الرجاء (٦٤٦٩) وأخرجه مسلم في كتاب: التوبة، باب: فقي سدة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه (٢٧٥٣)..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير