وقوله : فإن تولوا : فعل ماض مجزوم المحل، ولم يدغمه البَزِّي هنا، على عادته في الماضي، لعدم موجبه.
قل أطيعوا الله فيما يأمركم به وينهاكم عنه، والرسول فيما يَسُنه لكم ويرغبكم فيه، فإن تولوا وأعرَضوا عنه، فقد تعرضوا لمقت الله وغضبه بكفرهم به ؛ فإن الله لا يحب الكافرين أي : لا يرضى عنهم ولا يقبل عليهم، وإنما لم يقل : لا يحبهم ؛ لقصد العموم، والدلالة على أن التولي عن الرسول كفر، وأنه بريء من محبة الله، وأن محبته مخصوصة بالمؤمنين.
رُوِيَ أن نصارى نجران قالوا : إنما نعظم المسيح ونعبده، حباً لله وتعظيماً لله. فقال تعالى : قل يا محمد : إن كنتم تحبون الله تعالى
فاتبعوني . . . الآية. ولما نزلت الآية قال عبد الله بن أُبَيّ لأصحابه : إن محمداً يجعل طاعته كطاعة الله، ويأمرنا أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى، فنزل قوله تعالى : قل أطيعوا الله والرسول الآية. وقال - عليه الصلاة والسلام - :" مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ الله، ومن أَطَاعَ الإمامَ فَقدْ أطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى الله وَمَنْ عصَى الإمامَ فَقَدْ عَصَانِي ".
فالرسول - عليه الصلاة والسلام - حجاب الحضرة وبَوَّابُها، فمن أتى من بابه ؛ بمحبته واتباعه، دخل الحضرة، وسكن فيها، ومن تنكب عنها طُرِد وأُبعد، وفي ذلك يقول القائل :وأنتَ بابُ الله، أيُّ امرِئ وَافَاه مِنح غَيْرِكَ لاَ يدْخُلُ
وقال في المباحث :
فمن ادّعى محبة الله أو محبة رسوله، ولم يطعهما، ولم يتخلق بأخلاقهما، فدعواه كاذبة، وفي ذلك يقول ابن المبارك :تَبِعَه العالِمُ في الأقــوال والعابدُ الزاهدُ في الأفْعَالِ وفيهما الصُّوفيُّ في السِّباق لكنَّه قد زاد في الأخْلاَقِ تَعْصِي الإلَه وَأَنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ هـذَا محَالٌ في الْقِيَاسِ بَدِيعُ لَوْ كانَ حُبُّكَ صَادِقاً لأَطَعْتَهُ إنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ
الإشارة : اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم رُكن من أركان الطريقة، وشرط في إشراق أنوار الحقيقة، فمن لا اتباع له لا طريق له، ومن لا طريق له لا وصول له، قال الشيخ زروق رضي الله عنه :( أصول الطريقة خمسة أشياء : تقوى الله في السر والعلانية، واتباع النبيّ صلى الله عليه وسلم في الأقوال والأفعال، والإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار، والرجوع إلى الله في السراء والضراء، والرضى عن الله في القليل والكثير ).
فالرسول - عليه الصلاة والسلام - حجاب الحضرة وبَوَّابُها، فمن أتى من بابه ؛ بمحبته واتباعه، دخل الحضرة، وسكن فيها، ومن تنكب عنها طُرِد وأُبعد، وفي ذلك يقول القائل :
| وأنتَ بابُ الله، أيُّ امرِئ | وَافَاه مِنح غَيْرِكَ لاَ يدْخُلُ |
| تَبِعَه العالِمُ في الأقــوال | والعابدُ الزاهدُ في الأفْعَالِ |
| وفيهما الصُّوفيُّ في السِّباق | لكنَّه قد زاد في الأخْلاَقِ |
| تَعْصِي الإلَه وَأَنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ | هـذَا محَالٌ في الْقِيَاسِ بَدِيعُ |
| لَوْ كانَ حُبُّكَ صَادِقاً لأَطَعْتَهُ | إنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ |
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي