الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: خَاضَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» فِي هَذَا الْمَقَامِ فِي الطَّعْنِ فِي أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَتَبَ هَاهُنَا مَا لَا يَلِيقُ بِالْعَاقِلِ أَنْ يَكْتُبَ مِثْلَهُ فِي كُتُبِ الْفُحْشِ فَهَبْ أَنَّهُ اجْتَرَأَ عَلَى الطَّعْنِ فِي أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَكَيْفَ اجْتَرَأَ عَلَى كَتْبِهِ مِثْلَ ذَلِكَ الْكَلَامِ الْفَاحِشِ فِي تَفْسِيرِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، نَسْأَلُ اللَّهَ الْعِصْمَةَ وَالْهِدَايَةَ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَالْمُرَادُ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ إِعْطَاؤُهُ الثَّوَابَ، وَمِنْ غُفْرَانِ ذَنْبِهِ إِزَالَةُ الْعِقَابِ، وَهَذَا غَايَةُ مَا يَطْلُبُهُ كُلُّ عَاقِلٍ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ يَعْنِي غَفُورٌ فِي الدُّنْيَا يَسْتُرُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْوَاعَ الْمَعَاصِي رحيم في الآخرة بفضله وكرمه.
[سورة آل عمران (٣) : آية ٣٢]
قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٣٢)
يُرْوَى أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ الْآيَةَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَجْعَلُ طَاعَتَهُ كَطَاعَةِ اللَّهِ، وَيَأْمُرُنَا أَنَّ نُحِبَّهُ كَمَا أَحَبَّتِ النَّصَارَى عِيسَى، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ،
وَتَحْقِيقُ الْكَلَامِ أَنَّ الْآيَةَ الْأُولَى لَمَّا اقْتَضَتْ وُجُوبَ مُتَابَعَتِهِ، ثُمَّ إِنَّ الْمُنَافِقَ أَلْقَى شُبْهَةً فِي الدِّينِ، وَهِيَ أَنَّ مُحَمَّدًا يَدَّعِي لنفسه مثل مَا يَقُولُهُ النَّصَارَى فِي عِيسَى، ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ إِزَالَةً لِتِلْكَ الشُّبْهَةِ، فَقَالَ: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ يَعْنِي إِنَّمَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مُتَابَعَتِي لَا كَمَا تَقُولُ النَّصَارَى فِي عِيسَى بَلْ لِكَوْنِي رَسُولًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَلَمَّا كَانَ مُبَلِّغُ التَّكَالِيفِ عَنِ اللَّهِ هُوَ الرَّسُولَ لَزِمَ أَنْ تَكُونَ طَاعَتُهُ وَاجِبَةً فَكَانَ إِيجَابُ الْمُتَابَعَةِ لِهَذَا الْمَعْنَى لَا لِأَجْلِ الشبهة الَّتِي أَلْقَاهَا الْمُنَافِقُ فِي الدِّينِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكافِرِينَ يَعْنِي إِنْ أَعْرَضُوا فَإِنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُمْ مَحَبَّةُ اللَّهِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا أَوْجَبَ الثَّنَاءَ وَالْمَدْحَ لِمَنْ أَطَاعَهُ، وَمَنْ كَفَرَ اسْتَوْجَبَ الذِّلَّةَ وَالْإِهَانَةَ، وَذَلِكَ ضِدُّ الْمَحَبَّةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٣٣ الى ٣٤]
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)
اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ مَحَبَّتَهُ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِمُتَابَعَةِ الرُّسُلِ بَيَّنَ عُلُوَّ دَرَجَاتِ الرُّسُلِ وَشَرَفَ مَنَاصِبِهِمْ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَفِي الْآيَةِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اعْلَمْ أَنَّ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى قِسْمَيْنِ: الْمُكَلَّفُ وَغَيْرُ الْمُكَلَّفِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُكَلَّفَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أَصْنَافَ الْمُكَلَّفِ أَرْبَعَةٌ: الْمَلَائِكَةُ، وَالْإِنْسُ وَالْجِنُّ، وَالشَّيَاطِينُ، أَمَّا الْمَلَائِكَةُ،
فَقَدْ رُوِيَ فِي الْأَخْبَارِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَهُمْ مِنَ الرِّيحِ
وَمِنْهُمْ مَنِ احْتَجَّ بِوُجُوهٍ عَقْلِيَّةٍ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ فَالْأَوَّلُ: أَنَّهُمْ لِهَذَا السَّبَبِ قَدَرُوا عَلَى الطَّيَرَانِ عَلَى أَسْرَعِ الْوُجُوهِ وَالثَّانِي: لِهَذَا السَّبَبِ قَدَرُوا عَلَى حَمْلِ الْعَرْشِ، لِأَنَّ الرِّيحَ تَقُومُ بِحَمْلِ الْأَشْيَاءِ الثَّالِثُ: لِهَذَا السَّبَبِ سُمُّوا رُوحَانِيِّينَ، وَجَاءَ
فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُمْ خُلِقُوا مِنَ النُّورِ،
وَلِهَذَا صَفَتْ وَأَخْلَصَتْ لِلَّهِ تَعَالَى وَالْأَوْلَى أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ فَنَقُولُ: أَبْدَانُهُمْ مِنَ الرِّيحِ وَأَرْوَاحُهُمْ مِنَ النُّورِ فَهَؤُلَاءِ هُمْ سُكَّانُ عالم السموات، أَمَّا الشَّيَاطِينُ فَهُمْ كَفَرَةٌ أَمَّا إِبْلِيسُ فَكُفْرُهُ ظَاهِرٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ [الْبَقَرَةِ: ٣٤] وَأَمَّا سَائِرُ الشَّيَاطِينِ فَهُمْ أَيْضًا كَفَرَةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الْأَنْعَامِ: ١٢١] وَمِنْ خَوَاصِّ الشَّيَاطِينِ أَنَّهُمْ بِأَسْرِهَا أَعْدَاءٌ لِلْبَشَرِ قَالَ تَعَالَى: فَفَسَقَ/ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ
أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ
[الْكَهْفِ: ٥٠] وَقَالَ: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ [الْأَنْعَامِ: ١١٢] وَمِنْ خَوَاصِّ الشَّيَاطِينِ كَوْنُهُمْ مَخْلُوقِينَ مِنَ النَّارِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ إِبْلِيسَ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الْأَعْرَافِ: ١٢] وَقَالَ: وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ [الْحِجْرِ: ٢٧] فَأَمَّا الْجِنُّ فَمِنْهُمْ كَافِرٌ وَمِنْهُمْ مُؤْمِنٌ، قَالَ تَعَالَى: وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً [الجن: ١٤] وأما الْإِنْسُ فَلَا شَكَّ أَنَّ لَهُمْ وَالِدًا هُوَ وَالِدُهُمُ الْأَوَّلُ، وَإِلَّا لَذَهَبَ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ وَالْقُرْآنُ دَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْأَوَّلَ هُوَ آدَمُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران: ٥٩] وقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها [النِّسَاءِ: ١].
إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْبَشَرَ أَفْضَلُ مِنَ الْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْبَشَرَ أَفْضَلُ أَمِ الْمَلَائِكَةَ، وَقَدِ اسْتَقْصَيْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا [الأعراف: ١١] وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْبَشَرَ أَفْضَلُ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاصْطِفَاءَ يَدُلُّ عَلَى مَزِيدِ الْكَرَامَةِ وَعُلُوِّ الدَّرَجَةِ، فَلَمَّا بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُ اصْطَفَى آدَمَ وَأَوْلَادَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى كُلِّ الْعَالَمِينَ وَجَبَ أَنْ يَكُونُوا أَفْضَلَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لِكَوْنِهِمْ مِنَ الْعَالَمِينَ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنْ حَمَلْنَا هَذِهِ الآية على تفضيل المذكورين فيها عَلَى كُلِّ الْعَالَمِينَ أَدَّى إِلَى التَّنَاقُضِ لِأَنَّ الْجَمْعَ الْكَثِيرَ إِذَا وُصِفُوا بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ منهم أفضل من كل العالمين يلزم كون كل واحد منهم أفضل من كل العالمين يلزم كون كل واحد منهم أفضل من الْآخَرِ وَذَلِكَ مُحَالٌ، وَلَوْ حَمَلْنَاهُ عَلَى كَوْنِهِ أَفْضَلَ عَالَمِي زَمَانِهِ أَوْ عَالَمِي جِنْسِهِ لَمْ يَلْزَمِ التَّنَاقُضُ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى دَفْعًا لِلتَّنَاقُضِ وَأَيْضًا قَالَ تَعَالَى فِي صِفَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ [الْبَقَرَةِ: ٤٧] وَلَا يُلْزِمُ كَوْنُهُمْ أَفْضَلَ مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ قُلْنَا الْمُرَادُ بِهِ عَالَمُو زَمَانِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَالْجَوَابُ ظَاهِرٌ فِي قَوْلِهِ: اصْطَفَى آدَمَ عَلَى الْعَالَمِينَ، يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَنْ يَصِحُّ إِطْلَاقُ لَفْظِ الْعَالَمِ عَلَيْهِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ الْمَلَكُ، غَايَةُ مَا فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ تُرِكَ الْعَمَلُ بِعُمُومِهِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ لِدَلِيلٍ قَامَ عَلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ نَتْرُكَهُ فِي سَائِرِ الصُّوَرِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اصْطَفى فِي اللُّغَةِ اخْتَارَ، فَمَعْنَى: اصْطَفَاهُمْ، أَيْ جَعَلَهُمْ صَفْوَةَ خَلْقِهِ، تَمْثِيلًا بِمَا يُشَاهَدُ مِنَ الشَّيْءِ الَّذِي يُصَفَّى وَيُنَقَّى مِنَ الْكُدُورَةِ، وَيُقَالُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: صَفْوَةٌ، وَصُفْوَةٌ وَصِفْوَةٌ، وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ لِمُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي [الْأَعْرَافِ: ١٤٤] وَقَالَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ [ص: ٤٧].
إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ. فِي الْآيَةِ قَوْلَانِ الْأَوَّلُ: الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ اصْطَفَى دِينَ آدَمَ وَدِينَ نُوحٍ فَيَكُونُ الِاصْطِفَاءُ رَاجِعًا إِلَى دِينِهِمْ وَشَرْعِهِمْ وَمِلَّتِهِمْ، وَيَكُونُ هَذَا الْمَعْنَى عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ الْمُضَافِ وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُمْ، أَيْ صَفَّاهُمْ مِنَ الصِّفَاتِ الذَّمِيمَةِ، وَزَيَّنَهُمْ بِالْخِصَالِ/ الْحَمِيدَةِ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّا لَا نَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الْإِضْمَارِ وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: اللَّهُ أعلم حيث يجعل رسالاته [الْأَنْعَامِ: ١٢٤] وَذَكَرَ الْحَلِيمِيُّ فِي كِتَابِ «الْمِنْهَاجِ» أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونُوا مُخَالِفِينَ لِغَيْرِهِمْ فِي الْقُوَى الْجِسْمَانِيَّةِ، وَالْقُوَى الرُّوحَانِيَّةِ، أَمَّا الْقُوَى الْجِسْمَانِيَّةُ، فَهِيَ إِمَّا مُدْرِكَةٌ، وَإِمَّا مُحَرِّكَةٌ.
أَمَّا الْمُدْرِكَةُ: فَهِيَ إِمَّا الْحَوَاسُّ الظَّاهِرَةُ، وَإِمَّا الْحَوَاسُّ الْبَاطِنَةُ، أَمَّا الْحَوَاسُّ الظَّاهِرَةُ فَهِيَ خَمْسَةٌ أَحَدُهَا: الْقُوَّةُ
الْبَاصِرَةُ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَخْصُوصًا بِكَمَالِ هَذِهِ الصِّفَةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ ووجهان الْأَوَّلُ:
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «زُوِيَتْ لِيَ الْأَرْضُ فَأُرِيتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا»
وَالثَّانِي:
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ وَتَرَاصُّوا فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي»
وَنَظِيرُ هَذِهِ الْقُوَّةِ مَا حَصَلَ لِإِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الْأَنْعَامِ: ٧٥] ذَكَرُوا فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّهُ تَعَالَى قَوَّى بَصَرَهُ حَتَّى شَاهَدَ جَمِيعَ الْمَلَكُوتِ مِنَ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ قَالَ الْحَلِيمِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَهَذَا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ لِأَنَّ الْبُصَرَاءَ يَتَفَاوَتُونَ فَرُوِيَ أَنَّ زَرْقَاءَ الْيَمَامَةِ كَانَتْ تُبْصِرُ الشَّيْءَ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ بَصَرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْوَى مِنْ بَصَرِهَا وَثَانِيهَا: الْقُوَّةُ السَّامِعَةُ، وَكَانَ ﷺ أقوى النأي فِي هَذِهِ الْقُوَّةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا:
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحَقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ لِلَّهِ تَعَالَى»
فَسَمِعَ أَطِيطَ السَّمَاءِ وَالثَّانِي:
أَنَّهُ سَمِعَ دَوِيًّا وَذَكَرَ أَنَّهُ هُوِيُّ صَخْرَةٍ قُذِفَتْ فِي جَهَنَّمَ فَلَمْ تَبْلُغْ قَعْرَهَا إِلَى الْآنِ،
قَالَ الْحَلِيمِيُّ: وَلَا سَبِيلَ لِلْفَلَاسِفَةِ إِلَى اسْتِبْعَادِ هَذَا، فَإِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ فِيثَاغُورْثَ رَاضَ نَفْسَهُ حَتَّى سَمِعَ خَفِيفَ الْفَلَكِ، وَنَظِيرُ هَذِهِ الْقُوَّةِ لِسُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السلام في قصة النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ [النَّمْلِ: ١٨] فَاللَّهُ تَعَالَى أَسْمَعَ سُلَيْمَانَ كَلَامَ النَّمْلِ وَأَوْقَفَهُ عَلَى مَعْنَاهُ وَهَذَا دَاخِلٌ أَيْضًا فِي بَابِ تَقْوِيَةِ الْفَهْمِ، وَكَانَ ذَلِكَ حَاصِلًا لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ تَكَلَّمَ مَعَ الذِّئْبِ وَمَعَ الْبَعِيرِ ثَالِثُهَا: تَقْوِيَةُ قُوَّةِ الشَّمِّ، كَمَا فِي حَقِّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَإِنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا أَمَرَ بِحَمْلِ قَمِيصِهِ إِلَيْهِ وَإِلْقَائِهِ عَلَى وَجْهِهِ، فَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ يَعْقُوبُ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ [يُوسُفَ: ٩٤] فَأَحَسَّ بِهَا مِنْ مَسِيرَةِ أَيَّامٍ وَرَابِعُهَا: تَقْوِيَةُ قُوَّةِ الذَّوْقِ، كَمَا فِي حَقِّ رَسُولِنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ
قَالَ: «إِنَّ هَذَا الذِّرَاعَ يُخْبِرُنِي أَنَّهُ مَسْمُومٌ»
وَخَامِسُهَا: تَقْوِيَةُ الْقُوَّةِ اللَّامِسَةِ كَمَا فِي حَقِّ الْخَلِيلِ حَيْثُ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى النَّارَ بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ هَذَا وَيُشَاهَدُ مِثْلُهُ فِي السَّمَنْدَلِ وَالنَّعَامَةِ، وَأَمَّا الْحَوَاسُّ الْبَاطِنَةُ فَمِنْهَا قُوَّةُ الْحِفْظِ، قَالَ تَعَالَى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى [الْأَعْلَى: ٦] وَمِنْهَا قُوَّةُ الذَّكَاءِ
قَالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْفَ بَابٍ مِنَ الْعِلْمِ وَاسْتَنْبَطْتُ مِنْ كُلِّ بَابٍ أَلْفَ بَابٍ»
فَإِذَا كَانَ حَالُ الْوَلِيِّ هَكَذَا، فَكَيْفَ حَالُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَأَمَّا الْقُوَى الْمُحَرِّكَةُ: فَمِثْلُ عُرُوجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمِعْرَاجِ، وَعُرُوجِ عِيسَى حَيًّا/ إِلَى السَّمَاءِ، وَرَفْعِ إِدْرِيسَ وَإِلْيَاسَ عَلَى مَا وَرَدَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ [النَّمْلِ: ٤٠].
وَأَمَّا الْقُوَى الرُّوحَانِيَّةُ الْعَقْلِيَّةُ: فَلَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ فِي غَايَةِ الْكَمَالِ، وَنِهَايَةِ الصَّفَاءِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ تَمَامَ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ النَّفْسَ الْقُدْسِيَّةَ النَّبَوِيَّةَ مُخَالِفَةٌ بِمَاهِيَّتِهَا لِسَائِرِ النُّفُوسِ، وَمِنْ لَوَازِمِ تِلْكَ النَّفْسِ الْكَمَالُ فِي الذَّكَاءِ، وَالْفِطْنَةِ، وَالْحُرِّيَّةِ، وَالِاسْتِعْلَاءُ، وَالتَّرَفُّعُ عَنِ الْجِسْمَانِيَّاتِ وَالشَّهَوَاتِ، فَإِذَا كَانَتِ الرُّوحُ فِي غَايَةِ الصَّفَاءِ وَالشَّرَفِ، وَكَانَ الْبَدَنُ فِي غَايَةِ النقاء والطهارة كانت هذه القوى المحركة والمدركة فِي غَايَةِ الْكَمَالِ لِأَنَّهَا جَارِيَةٌ مَجْرَى أَنْوَارٍ فَائِضَةٍ مِنْ جَوْهَرِ الرُّوحِ وَاصِلَةٌ إِلَى الْبَدَنِ، وَمَتَى كَانَ الْفَاعِلُ وَالْقَابِلُ فِي غَايَةِ الْكَمَالِ كَانَتِ الْآثَارُ فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ وَالشَّرَفِ وَالصَّفَاءِ.
إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَقَوْلُهُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً مَعْنَاهُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اصْطَفَى آدَمَ إِمَّا مِنْ سُكَّانِ الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: الْمَلَكُ أَفْضَلُ مِنَ الْبَشَرِ، أَوْ مِنْ سُكَّانِ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: الْبَشَرُ أَشْرَفُ الْمَخْلُوقَاتِ، ثُمَّ وَضَعَ كَمَالَ الْقُوَّةِ الرُّوحَانِيَّةِ فِي شُعْبَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ أَوْلَادِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، هُمْ شِيثٌ وَأَوْلَادُهُ، إِلَى إِدْرِيسَ، ثُمَّ إِلَى نُوحٍ، ثُمَّ إِلَى إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ حَصَلَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ شُعْبَتَانِ: إِسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ، فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلَ مَبْدَأً
لِظُهُورِ الرُّوحِ الْقُدْسِيَّةِ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَجَعَلَ إِسْحَاقَ مَبْدَأً لِشُعْبَتَيْنِ: يَعْقُوبَ وَعِيصُو، فَوَضَعَ النُّبُوَّةَ فِي نَسْلِ يَعْقُوبَ، وَوَضَعَ الْمُلْكَ فِي نَسْلِ عِيصُو، وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ إِلَى زَمَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا ظَهَرَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُقِلَ نُورُ النُّبُوَّةِ وَنُورُ الْمُلْكِ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَقِيَا أَعْنِي الدِّينَ وَالْمُلْكَ لِأَتْبَاعِهِ إِلَى قِيَامِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ تَأَمَّلَ فِي هَذَا الْبَابِ وَصَلَ إِلَى أَسْرَارٍ عَجِيبَةٍ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: مِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ. الْمُرَادُ بِآلِ إِبْرَاهِيمَ المؤمنون، كما في قوله أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ [غَافِرٍ: ٤٦] وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمُ الْأَوْلَادُ، وَهُمُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لَا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [الْبَقَرَةِ: ١٢٤] وَأَمَّا آلُ عِمْرَانَ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فيه، فمنهم من قال المراد عمران ولد مُوسَى وَهَارُونَ، وَهُوَ عِمْرَانَ بْنِ يَصْهَرَ بْنِ قَاهِثَ بْنِ لَاوِيَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنْ آلِ عِمْرَانَ مُوسَى وَهَارُونَ وَأَتْبَاعَهُمَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلِ الْمُرَادُ: عِمْرَانُ بْنُ مَاثَانَ وَالِدُ مَرْيَمَ، وَكَانَ هُوَ مِنْ نَسْلِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ بْنِ إِيشَا، وَكَانُوا مَنْ نَسْلِ يَهُوذَا بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، قَالُوا وَبَيْنَ الْعِمْرَانَيْنِ أَلْفٌ وَثَمَانِمِائَةِ سَنَةٍ، وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ عَلَى صِحَّتِهِ بِأُمُورٍ أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَذْكُورَ عَقِيبَ قَوْلِهِ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ هُوَ عِمْرَانُ بْنُ مَاثَانَ جَدُّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ، فَكَانَ صَرْفُ الْكَلَامِ إِلَيْهِ أَوْلَى وَثَانِيهَا: أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْكَلَامِ أَنَّ النَّصَارَى كَانُوا يحتجون على إلهية عيس بِالْخَوَارِقِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلَى يَدَيْهِ، فَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: إِنَّمَا ظَهَرَتْ عَلَى يَدِهِ إِكْرَامًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُ بِهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ/ تَعَالَى اصْطَفَاهُ عَلَى الْعَالَمِينَ وَخَصَّهُ بِالْكَرَامَاتِ الْعَظِيمَةِ، فَكَانَ حَمْلُ هَذَا الْكَلَامِ عَلَى عِمْرَانَ بْنِ مَاثَانَ أَوْلَى فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى عِمْرَانَ وَالِدِ مُوسَى وَهَارُونَ وَثَالِثُهَا: أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ شَدِيدُ الْمُطَابَقَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ [الْأَنْبِيَاءِ: ٩١] وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْوُجُوهَ لَيْسَتْ دَلَائِلَ قَوِيَّةً، بَلْ هِيَ أُمُورٌ ظَنِّيَّةٌ، وَأَصْلُ الِاحْتِمَالِ قَائِمٌ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي نَصْبِ قَوْلِهِ ذُرِّيَّةً وَجْهَانِ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ آلِ إِبْرَاهِيمَ وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلَى الْحَالِ، أَيِ اصْطَفَاهُمْ فِي حَالِ كَوْنِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ وُجُوهٌ الْأَوَّلُ: ذَرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ فِي التَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ وَالطَّاعَةِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلَهُ تَعَالَى: الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ [التَّوْبَةِ: ٦٧] وَذَلِكَ بِسَبَبِ اشْتِرَاكِهِمْ فِي النِّفَاقِ وَالثَّانِي:
ذَرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ بِمَعْنَى أَنَّ غَيْرَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانُوا مُتَوَلِّدِينَ مِنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالذُّرِّيَّةِ مَنْ سِوَى آدَمَ.
أما قوله تعالى: وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ فَقَالَ الْقَفَّالُ: الْمَعْنَى وَاللَّهُ سَمِيعٌ لِأَقْوَالِ الْعِبَادِ، عَلِيمٌ بِضَمَائِرِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، وَإِنَّمَا يَصْطَفِي مِنْ خَلْقِهِ مَنْ يَعْلَمُ اسْتِقَامَتَهُ قَوْلًا وَفِعْلًا، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رسالاته [الْأَنْعَامِ: ١٢٤] وَقَوْلُهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ [الْأَنْبِيَاءِ: ٩٠] وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ وَمِنْ آلِ عِمْرَانَ، فَنَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، وَالنَّصَارَى كَانُوا يَقُولُونَ: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ عَالِمًا بِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ بَاطِلٌ، إِلَّا أَنَّهُ لِتَطْيِيبِ قُلُوبِ الْعَوَامِّ بَقِيَ مُصِرًّا عَلَيْهِ، فَاللَّهُ تَعَالَى كَأَنَّهُ يَقُولُ: وَاللَّهُ سَمِيعٌ لِهَذِهِ الْأَقْوَالِ الْبَاطِلَةِ مِنْكُمْ، عَلِيمٌ بِأَغْرَاضِكُمُ الْفَاسِدَةِ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ فَيُجَازِيكُمْ عَلَيْهَا، فَكَانَ أَوَّلُ الْآيَةِ بَيَانًا لِشَرَفِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، وَآخِرُهَا تَهْدِيدًا لِهَؤُلَاءِ الْكَاذِبِينَ الَّذِينَ يزعمون أنهم مستقرون على أديانهم.
مفاتيح الغيب
أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي