ﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟ

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٣:سبق لنا في بداية الحزب الخامس ضمن سورة البقرة قوله تعالى : تِلكَ الرُّسُلُ، فَضَّلنَا بَعْضَهُم عَلَى بَعضٍ، مِّنهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ، وَرَفَعَ بَعضَهُم دَرَجَاتٍ، وآتينا عِيسَى ابنَ مَريَمَ البَيِّنَاتِ وَأَيَّدناهُ بِرُوحِ القُدُسِ وفي هذا الربع الذي نحن بصدد تفسيره يتصدى القرآن الكريم بتفصيل أوفى لبيان قصة حمل مريم وقصة ميلاد ابنها عيسى، موضحا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وجه الحق في أمرهما، مبطلا كل الأساطير والشبهات التي قامت من حولهما.
وأول آية في هذا الربع هي بمنزلة المدخل والتمهيد إلى هذه القصة المثيرة، الباعثة على مزيد من التأمل والاعتبار، والآية التمهيدية هنا تشير على وجه العموم إلى الأسرة الفاضلة التي برزت بواسطتها وعن طريقها إرادة الحق سبحانه وتعالى في مجال الخلق والإبداع، مجال الأمر والاتباع أَلاَ لَهُ الخَلقُ وَالأَمرُ .
وهذه الأسرة الصالحة التي نفذت إرادة الله، وبلغت إلى الخلق أمره ونهيه، تعني أسرة الأنبياء والرسل، ممن أخذوا على عاتقهم هداية الخلق وتربيتهم، وتولوا نقل الأمانة التي اختار الله لحملها الإنسان، وعملوا على حفظها وصيانتها من كل ما قد يتسرب إليها، وقاموا بتجديد أمرها على مر الزمان.
وفي رأس القائمة لهذه الأسرة الروحية الكبرى التي تدين لها البشرية يرد اسم آدم، الأب الأول للبشر، واسم نوح، الرائد الأول للأنبياء والرسل، ثم يقع التنصيص بالخصوص على فرعين كريمين منها، تسللت فيهما وراثة النبوة وتناقلت في عقبهما الدعوة إلى الله والتبشير بدينه الحق، وهما آل إبراهيم وآل عمران، فهؤلاء جميعا انتدبهم الحق سبحانه وتعالى لتنفيذ إرادته وإبلاغ شريعته، وجزاء لهم على قيامهم بالواجب-طبقا لمقتضى الأمر الإلهي- فضلهم الله على العالمين، وخلد ذكرهم في الصالحين، وذلك قوله تعالى إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ( ٣٣ ) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ( ٣٤ ) .
وها هنا يجب التنبيه إلى أن النظرة الإسلامية القرآنية في التفضيل والتفاوت بالنسبة لإنسان على آخر، وفريق على فريق، إنما تقوم في البداية، وتؤول في النهاية، إلى عوامل أخلاقية ونفسية بحتة، ترتبط بمجرد السلوك والعمل، فالتفضيل الإسلامي تفضيل معنوي روحي أخلاقي لا علاقة له بالجنس ولا باللون ولا بالبيئة الاجتماعية التي ينتمي إليها الشخص، على حد قوله تعالى إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللهِ أَتقَاكُم .
ومن طريف ما في هذه الآية الكريمة الإشارة الواضحة إلى الأثر العميق الذي تحدثه البيئة أيا كان مستواها على الأفراد المنتمين إليها، والمحتكين بها، فالتعقيب على الاصطفاء والاختيار بقوله تعالى ذَرِّيَّةً بَعضُهَا مِن بَعْضِ تنبيه إلى أن بيئة الصلاح والتقوى والبر، وتقدير المسؤولية، التي يعيش فيها الأبناء إلى جانب آبائهم، تؤثر في أبنائهم أبلغ وأعمق تأثير، وتطبعهم بطابع الاستقامة واليقظة، وتعدهم إعدادا خاصا لعمل الخير والتمسك بالفضيلة، وعلى العكس من ذلك بيئة الفساد والفسق والشر، والانحلال والإهمال، التي يعيش فيها الأبناء إلى جانب آبائهم، تترك في أبنائهم أثرا سيئا، لا يمحى، وتجعلهم أسرع الناس إلى المغامرة في مجالات الشر والرذيلة، تقليدا لآبائهم، وسيرا في طريقهم، وهكذا يحسن الأب الفاضل والأم الفاضلة إلى نفسهما وإلى ذريتهما أكبر إحسان، ويسيء الأب والأم المتنكران للفضيلة إلى نفسهما وذريتهما في حياتهما ومن بعد موتهما، أكبر إساءة.


التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير