في هذه الآية جُملة مَنْ فضلهم في قوله: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ) الآية، فذكر اثني عشر نبيًّا، وسنذكر إذا انتهينا إليه تخصيصهم بالذكر، وكيف رُتبوا هذا الترتيب، ومخالفة ذكرهم في الترتيب لأزمنتهم.
إن قيل: كيف تعلُق هذه الآية بما قبلها؟
قيل: تعلُقها بها من وجهين.
أحدهما: أنه لما أمرهم تعالى باتباع نبينا وهم
يُقرُّون بوجوب اتباع الذين ذكرهم، بيّن أن جماعتهم في كونهم
متساوين في النبوة سواء، وأن الذي دلَّ على وجوب اتباع
أهؤلاء يدلُّ على وجوب اتباع، سائرهم.
والثاني: أنه نبَّه أن اصطفاءه تعالى لهؤلاء لَكونهم مطيعين له، مستحقين لمحبته
بذلك.
قوله عز وجل: (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)
الذرية: قيل: من ذرأ الله الخلق فترك همزه نحو روية وبرية ونبى
وخابية وملك من روأ وأنبأْ وخبأ ومَلأك، وقيل: بل هو من
ذَرْو الريح، وأصله ذُرُّويَة، وقيل: هي فُعْلِيَّة من الذر نحو قمرية.
ويُقال: ذرية للواحد والجمع، ويقال للأصل والنسل، قال تعالى:
(وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ) أي إياهم، ويُقال للنساء:
الذراري، قال عليه الصلاة والسلام: "حجوا بالذراري، ولا تأكلوا مالها وتذروا أرباقها في أعناقها " أي بالنساء،
فأما الصبيان فلا أرباق في أعناقها؛ إذ لا حج عليهم.
قوله: (بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ) يعني في الموالاة الدينية، لقوله: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) وقوله: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) وقوله لنوح: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) ردًّا عليه لما قال في الكناية عن هذا العدو.
والضعة: الخساسة، في مقابلة الرفعة، ولذلك استعير
صعود الجبل وبلوغ السماء ونحو ذلك للرفعة، والوقوع في
الثرى ونحوه للضعة.
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار