ويقول الحق بعد ذلك : ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
وحين يقول : ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ فلنا أن نسأل : هل المقصود بذلك الأنساب أم الدين والقيم ؟ ولنا أن نلتفت أن الحق قد علمنا في مسألة إبراهيم عليه السلام أن الأنساب بالدم واللحم عند الأنبياء لا اعتبار لها، وإنما الأنساب المعترف بها بالنسبة للأنبياء هي أنساب القيم والدين. وكنا قد عرضنا من قبل لما قاله الحق :
وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي [ البقرة : ١٢٤ ].
فردها الله عليه قائلا : لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [ البقرة : ١٢٤ ].
لماذا ؟ لأن الإمام هو المقتدى في الهدايات. إذن فالمسألة ليست وراثة بالدم. وهكذا علم سيدنا إبراهيم ذلك بأن النسب للأنبياء ليس بوراثة الدم، إذن فنحن نفهم قول الحق : ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ على أنها ذرية في توارثها للقيم. ونحن نسمع في القرآن :
الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [ التوبة : ٦٧ ].
إن هذا النفاق ليس أمرا يتعلق بالنسب وإنما يتعلق بالقيم، إنها كلها أمور قيمية، وحين يقال : وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أي أن الله يعرف الأقوال وكذلك الأفعال والخبايا.
تفسير الشعراوي
الشعراوي