ﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠ

٤١- قوله تعالى : قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا . |آل عمران : ٤١|
اختلف في صمت زكرياء، هل كان على اختيار منه أم لا ؟
فالذين ذهبوا إلى أنه عن(١) اختيار منه اختلفوا في الآية هل هي محكمة أو منسوخة.
فذهب قوم إلى أنها محكمة، ليس في شريعتنا(٢) ما نسخها، على القول بأن شريعة من قبلنا لازمة لنا أولا(٣). أما على(٤) القول بخلاف ذلك لا يحتاج إلى نظر(٥) فيها، هل هي محكمة أو منسوخة ؟
وتأولوا قوله عليه الصلاة والسلام(٦) : " لا صمت يوم إلى الليل (٧) " على أن معناها : لا يصمت أحد فلا يذكر الله تعالى يوما إلى الليل، وهذا محظور في كل شريعة.
والذين ذهبوا إلى أنها منسوخة، قالوا : نسخها قوله عليه الصلاة والسلام(٨) : " لا وصال في الصيام، ولا يتم بعد احتلام، ولا عتق قبل ملك، ولا طلاق قبل نكاح، ولا صمت يوم إلى الليل، ولا وفاء بنذر في معصية الله " (٩).
قالوا : فنسخ إباحة الصمت وهذا النسخ، إنما يجوز على قول الكوفيين ومن تابعهم.
والذين ذهبوا إلى أن صمته لم يكن اختيارا منه، وإنما منع الكلام فلم يقدر عليه، فلا شك أن الآية عندهم محكمة.
وقد اختلف في السبب الذي لأجله منع الكلام زكرياء(١٠) عليه السلام(١١). فقال بعضهم : إنه قال : يا رب إن كان ذلك الكلام من قبلك والبشارة حقا فاجعل لي علامة أعرف بها صحة ذلك(١٢)، فعوقب على هذا الشك في أمر الله، بأن منع الكلام ثلاثة أيام مع الناس.
وقيل : لم(١٣) يشك قط زكرياء وإنما سأل عن الجهة التي يكون بها الولد وتتم البشارة فلما(١٤) قيل له(١٥) : كذلك الله(١٦) يفعل ما يشاء سأل علامة على وقت الحمل ليعرف متى يحمل بيحيى. واختلف هل كان منعه(١٧) الكلام بآفة نزلت به أم لا ؟ فقيل : ربا لسانه في فيه حتى ملأه ثم أطلقه الله بعد ثلاث(١٨). وقيل : أخذ الله تعالى(١٩) عليه لسانه فجعل لا يقدر على الكلام ؛ فهذان القولان لمن رأى ذلك لآفة. وقال قوم : لم تكن آفة، ولكنه منع محاورة الناس، فلم يقدر عليها، وكان يقدر على ذكر الله والرمز بالإشارة. وقد اختلف في من حلف أن لا يكلم إنسانا فأشار إليه بالسلام هل يحنث أم لا ؟ فقال ابن عبد الحكم(٢٠) لا يحنث. وقال مالك : يحنث واحتج به ابن حبيب في أن الإشارة بالسلام كلام ؛ لقوله تعالى لزكرياء عليه السلام(٢١) : قال آياتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا ، يريد ابن حبيب : أن الله تعالى(٢٢) جعل الرمز كلاما وهو الإشارة بعينها. وقال عيسى(٢٣) عن ابن القاسم : لا أرى الإشارة بالسلام كلاما، مثل قول ابن عبد الحكم.
وقد اختلف فيمن حلف أن لا يكلم إنسانا فكتب إليه أو أرسل رسولا(٢٤)، فقرأ المحلوف عليه الكتاب أو أبلغه(٢٥) الرسول، على أقوال في المذهب فقيل : يحنث، وروي ذلك(٢٦) عن مالك.
واحتج له بقوله تعالى : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب (٢٧) [ الشورى : ٥١ ]، أو يرسل رسولا. وهو بعيد(٢٨) لأن الصحيح في الاستثناء أنه منفصل. وقيل(٢٩) : لا يحنث وهو قول أشهب وابن عبد الحكم وابن شهاب(٣٠) وقيل : يحنث إلا أن ينوي المشافهة وهو(٣١) الذي رجع إليه مالك. وقيل : يحنث في الكتابة (٣٢) إلا أن ينوي المشافهة، ولا يحنث في الرسول، رواه أشهب عن مالك. واحتج أبو عبيد(٣٣) للقول بأنه لا يحنث(٣٤) بالكتاب(٣٥) ولا بالإشارة (٣٦) فقال : الكلام غير الخط والإشارة. وأصل هذا أن الله تعالى قال : آياتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا ، وقال في موضع آخر : فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا [ مريم : ١١ ]، والرمز والإشارة بالعين والحاجب، والوحي الخط والإشارة، ويقال : كتب إليهم وأشار إليهم وفي قصة مريم : فلن أكلم اليوم إنسيا [ مريم : ٢٦ ]، ثم قال : فأشارت إليه [ مريم : ٢٩ ]، فصار الإيماء والخط خارجين(٣٧) عن معنى النطق.

١ في (ج) و(د): "من"؛ وفي (هـ): "على"..
٢ في (ب) و(هـ): "شرعنا"..
٣ في (ج) و(د): "أولى"، وهـي ساقطة في (هـ)..
٤ في (هـ): "فعلى"..
٥ في (هـ) "النظر"..
٦ في (أ) و(ب) و(ج) و(د) و(هـ): "عليه السلام"..
٧ في (هـ): "الليل" والحديث أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الوصايا، باب "ما جاء متى ينقطع اليتم" باب٩، ص ٢٩٣ – ٢٩٤..
٨ في (أ) و(ب) و(ج) و(د) و(هـ): "عليه السلام"..
٩ صحيح البخاري، ج ٣، كتاب الصوم، باب الوصال، ص ٢٤٢ –٢٤٣، وكذلك صحيح مسلم، كتاب الصوم، باب النهـي عن الوصال، ص ٧٧٤ – ٧٧٥، باب الوصال، ص ٧٦٦ وأخرجه أيضا الترمذي في سننه كتاب الصوم، باب "ما جاء في كراهـية الصوم" ج ٣، ص ١٤٨، وأبو داود في سننه، كتاب الطلاق، باب في الطلاق قبل النكاح، ج ٢، ص ٦٤٠ – ٦٤٢، وابن ماجه في سننه، كتاب الطلاق، باب "لا طلاق قبل نكاح"، ج ١، ص ٦٦٠..
١٠ في (هـ): الذي منع لأجله زكرياء الكلام..
١١ قوله: "عليه السلام"، ساقط في (أ) و(ب) و(ج)..
١٢ في غير (هـ):"أعرف صحة ذلك بهـا"وفي (ب): "أعرف به صحة ذلك بهـا" وفي (ج) و(د): "اعرف بهـا صحة ذلك".
١٣ في (ج): "لهـم" والصواب ما أثبتناه..
١٤ في (ج) و(د): "بلا"..
١٥ قوله: "له" ساقط في (ج)..
١٦ كلمة "كذلك الله" ساقط في (ب) و(ج) و(د) و(هـ)..
١٧ في (د): "منع"..
١٨ في (ب) و(هـ): "بعد ثلاثة أيام"..
١٩ كلمة "تعالى" ساقطة في (هـ)..
٢٠ هـو أبو عبد الله محمد ابن عبد الحكم، سمع من أصحاب مالك، له عدة تآليف منهـا: "أحكام القرآن" و"الوثائق والشروط" و"الرد على الشافعي" وغيرهـا. توفي سنة ٢٦٨ هـ / ٨٨٢ م. انظر: ترتيب المدارك ج٤، ص ١٥٧ - ١٦٥.
٢١ كلمة "عليه السلام" ساقطة في (أ) و(ج) و(هـ)..
٢٢ في (أ) و(ب): "أنه تعالى"..
٢٣ هـو عيسى ابن إبراهـيم بن مثرود المصري يروي عن ابن القاسم وغيرهـ توفي ٢٦١ هـ.
يراجع الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٦/٢٧٢) و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (١٢/٣٦٢)..

٢٤ كلمة "أو يرسل إليه رسولا" ساقطة في (هـ).
٢٥ في (أ) و(ب) و(ج) و(د): أو "بلغه" في (هـ): "وبلغه".
٢٦ "ذلك" سقطت في (ج)..
٢٧ "أو من وراء حجاب" ساقط في (ج).
٢٨ "وهـو بعيد" بياض في (د).
٢٩ في (ب) و(ج): "وقيل أنه"..
٣٠ هـو أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهـاب، القرشي الزهـري، أحد الفقهـاء والمحدثين والأعلام التابعين بالمدينة، توفي سنة ١٢٤ هـ، على خلاف في ذلك، وقيل: مولده سنة ٥١ هـ. انظر: وفيات الأعيان، ج ١، ص٤٥١ - ٤٥٢..
٣١ في (ج): "وهـذا".
٣٢ في (هـ): "بالكتابة"..
٣٣ هـو أبو عبيد القاسم ابن سلام البغدادي من أئمة القراء والفقه واللغة، له عدة تآليف منهـا: الناسخ والمنسوخ توفي سنة ٢٢٢ هـ / ٨٣٧، على خلاف في ذلك. انظر: تهـذيب التهـذيب، ج ٨، ص ٣١٥ – ٣١٨ وتذكرة الحفاظ، ج ٢، ص ٦٦٥، ونزهـة الألباء لابن الأنباري، ص ١٣٦ –١٤١، وتاريخ بغداد، ج ١٢، ص ٤٠٣ –٤١٦..
٣٤ في (هـ):"بأنه يحنث"..
٣٥ في (د): "بالكتابة"..
٣٦ في (هـ): "بهـما"..
٣٧ في (أ) و(ب): "من"..

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

ابن الفرس

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير