قصة زكريا ويحيى (دعاء زكريا وطلبه الولد الصالح وإنجاب يحيى)
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٣٨ الى ٤١]
هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٨) فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (٤٠) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٤١)
الإعراب:
هُنالِكَ الأصل أن يكون ظرف مكان، ولكنه استعمل هنا ظرف زمان، وقيل: بهما في هذه الآية أي في ذلك المكان والوقت، وهو متعلق بدعاء أي دعا زكريا في ذلك الوقت، وهذا الاستعمال جائز على سبيل التوسع، ويعرف المراد بدلالة الحال، وقد تجيء هُنالِكَ محتملة الزمان والمكان، كما في قوله تعالى: هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ. والظرف منه «هنا» واللام للتأكيد، والكاف للخطاب، لا موضع لها من الإعراب.
فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ أي جماعة الملائكة. ومن قرأ «فناداه» أراد جمع الملائكة إذ يجوز في فعل الجماعة التذكير والتأنيث، سواء كانت الجماعة للمذكر أو المؤنث، نحو: قال الرجال وقالت الرجال، وقال النساء وقالت النساء، فالتذكير بالحمل على معنى الجمع، والتأنيث بالحمل على معنى الجماعة. وَهُوَ قائِمٌ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من هاء فَنادَتْهُ. أَنَّ اللَّهَ مفعول ثان لنادته، ومن قرأها بالكسر فعلى الابتداء، على تقدير: قال: إن الله يبشرك.
مُصَدِّقاً حال من يحيى، وكذلك: سَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا. وَامْرَأَتِي عاقِرٌ إنما جاء بغير تاء لأنه أراد النّسب، أي: ذات عقر أي عقم، مثل طالق وحائض.
البلاغة:
فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ المنادي جبريل، وعبر عنه باسم الجماعة تعظيما له لأنه رئيسهم.
بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ فيه طباق وهو أحد المحسنات البديعية.
المفردات اللغوية:
هُنالِكَ أي لما رأى زكريا ذلك، وعلم أن القادر على الإتيان بالشيء من غير حينه قادر على الإتيان بالولد على الكبر، وكان أهل بيته انقرضوا ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ولدا صالحا مباركا.
الذرية: الولد، وتقع على الواحد والكثير وهو هنا واحد، والطيب: ما تستطاب أفعاله سَمِيعُ الدُّعاءِ أي مجيبه وقابله، كما يقال: سمع الله لمن حمده، إذ من لم يجب، فكأنه لم يسمع مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ أي يصدق بعيسى أنه روح الله، فهو قد وجد بكلمة كائنة من الله، وكلمة الله:
عيسى عليه السلام، وسمي كلمة لأنه خلق بكلمة: كن، قال الربيع بن أنس: هو أول من صدق بعيسى بن مريم. وَسَيِّداً السيد: الرئيس المتبوع الذي يسود قومه. وَحَصُوراً قال السيوطي وغيره: ممنوعا من النساء، من الحصر: وهو المنع، فهو لا يأتي النساء مع القدرة على إتيانهن تعففا وزهدا. وقال آخرون: منوعا نفسه من ارتكاب ما يعاب عليه، أو أنه معصوم من الذنوب أي لا يأتيها، كأنه حصور عنها، كما قال القاضي عياض. وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ أي من أصلابهم، روي أنه لم يعمل خطيئة ولم يهم بها أَنَّى كيف غُلامٌ ولد وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ أي بلغت نهاية السن، مائة وعشرين سنة وَامْرَأَتِي عاقِرٌ عقيم لا تلد بلغت ثمانيا وتسعين سنة.
كَذلِكَ أي الأمر كذلك، أي من خلق الله غلاما منكما اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ: لا يعجزه عنه شيء.
آيَةً علامة على حمل امرأتي أي علامة أعرف بها ميقات الحمل إذا حدث لأتلقى النعمة بالشكر أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ أي تمتنع من كلامهم ما عدا ذكر الله تعالى رَمْزاً إشارة بيد أو رأس أو غيرهما، وسمي الرمز كلاما لأنه يفيد ما يفيده الكلام ويدل على ما دل عليه بِالْعَشِيِّ الوقت من الزوال إلى الليل. وَالْإِبْكارِ من طلوع الفجر إلى الضحى، فشمل قوله: بالعشي والإبكار: أواخر النهار وأوائله.
التفسير والبيان:
حينما رأى زكريا حال مريم وتفرغها للعبادة وتفضل الله عليها بالأرزاق الوفيرة، دعا ربه أن يرزقه ولدا صالحا مثلها من ولد يعقوب عليه السلام،
قائلا: إنك يا رب سميع لكل قول، مجيب لكل دعاء صالح لأن رؤية الأولاد النجباء تشوق النفس لو يكون له مثلهم.
فخاطبته الملائكة شفاها، والمخاطب في رأي الجمهور: هو جبريل عليه السلام «١»، والأظهر في رأي القرطبي: ناداه جميع الملائكة، أي جاء النداء من قبلهم.
وهو قائم يدعو الله ويصلي في محراب عبادته، وقالت له: إن الله يبشرك بغلام اسمه يحيى: إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى [مريم ١٩/ ٧] وهو معرّب يوحنا، ويطلق عليه في إنجيل متى: «يوحنا المعمداني» لأنه كان يعمّد الناس في زمانه. وهو أول من يصدق بعيسى بن مريم عليه السلام المسمى (كلمة الله) لأنه ولد ونشأ بكلمة الله: كُنْ، لا بالطريقة المعتادة من الولادة من أب وأم.
ويحيى أيضا سيد قومه، ومعصوم من الذنوب، ومانع نفسه من شهواتها، ونبي يوحى إليه- وهذه بشارة ثانية بنبوة يحيى بعد البشارة بولادته، وهي أعلى من الأولى- وهو صالح ناشئ من أصلاب الصالحين: أنبياء الله الكرام صلوات الله عليهم.
ولكن زكريا تعجب قائلا: كيف يكون لي غلام، وقد أصبحت كبير السن، وامرأتي عقيم لا تلد، فأجابه الله تعالى من طريق الملائكة: كذلك الله يفعل ما يشاء، أي مثل ذلك الخلق غير المعتاد الحاصل مع امرأة عمران، يفعل
الله ما يشاء في الكون، فمتى شاء أمرا أوجده، سواء بسبب معروف أو بغير سبب، ومنه إيجاد الولد والمرأة عاقر.
فطلب زكريا من ربه أن يجعل له علامة تدله على الحمل ووجود الولد منه، استعجالا للسرور، أو ليشكر تلك النعمة، فجعل الله علامة ذلك ألا يقدر على كلام الناس مدة ثلاثة أيام متوالية إلا بالإشارة والرمز بيد أو رأس أو نحوهما. وأمره بكثرة الذكر والتكبير والتسبيح في هذه الحال طوال الوقت، وعلى التخصيص في الصباح والمساء.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت هذه الآية على مشروعية طلب الولد، وهي سنة المرسلين والصدّيقين، قال الله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ، وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً [الرعد ١٣/ ٣٨] وقال: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ: رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ [الفرقان ٢٥/ ٧٤] وقال مخبرا عن إبراهيم الخليل:
وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ [الشعراء ٢٦/ ٨٤]،
وروي من حديث أنس قال: قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أيّ رجل مات، وترك ذرّية طيبة، أجرى الله له مثل أجر عملهم، ولم ينقص من أجورهم شيئا».
وخرّج ابن ماجه عن عائشة قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «النكاح من سنّتي، فمن لم يعمل بسنتي فليس مني، وتزوّجوا فإني مكاثر بكم الأمم، ومن كان ذا طول فلينكح، ومن لم يجد فعليه بالصوم، فإنه له وجاء».
وأخرج أبو داود من قوله صلّى الله عليه وسلّم: «تزوجوا الولود الودود، فإني مكاثر بكم الأمم».
والأخبار في هذا المعنى كثيرة، تحث على طلب الولد وتندب إليه لما يرجوه الإنسان من نفعه في حياته وبعد موته،
روى مسلم وغيره أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا مات أحدكم انقطع عمله إلا من ثلاث فذكر: أو ولد صالح يدعو له»
ولو لم يكن إلا هذا الحديث لكان فيه كفاية.
ودلت الآية أيضا على أن الواجب على الإنسان أن يتضرع إلى خالقه في هداية ولده وزوجه وطلب التوفيق لهما، والهداية والصلاح والعفاف والرعاية، وأن يكونوا معينين له على دينه ودنياه حتى تعظم منفعته بهما في أولاه وأخراه.
ألا ترى قول زكريا: وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا [مريم ١٩/ ٦] وقال: ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً وقال: رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ [الفرقان ٢٥/ ٧٤]،
ودعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأنس، فقال فيما رواه البخاري ومسلم: «اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه».
ومن مهام الملائكة البشارة، كما بشرت بيحيى عليه السلام، والأنبياء معصومون من الذنوب والمعاصي الكبيرة والصغيرة قبل النبوة وبعدها، وقد يعصمون ويمنعون عن الشهوات المباحة، كما حصل ليحيي عليه السلام أنه كان حصورا، ولعل هذا كان شرعه، فأما شرعنا فالنكاح. وكان يحيى أول من آمن بعيسى عليهما السلام وصدّقه، وكان يحيى أكبر من عيسى بثلاث سنين، ويقال بستة أشهر.
واستبعاد زكريا عليه السلام وتعجبه كان على وفق المعتاد أن حاله وحال امرأته لا يولد لمثلهما، لا أن ذلك ليس من مقدور الله. وقد طلب إتمام النعمة بأن يجعل له آية تكون دليلا على زيادة النعمة والكرامة.
وفي هذه الآية دليل على أن الإشارة تنزل منزلة الكلام، وذلك موجود في كثير من السنة، وآكد الإشارات:
ما حكم به النبي صلّى الله عليه وسلّم من أمر السوداء حين قال لها: «أين الله؟» فأشارت برأسها إلى السماء، فقال: «أعتقها فإنها مؤمنة»
فأجاز الإسلام بالإشارة الذي هو أصل الديانة الذي يحرز الدم والمال، وتستحق به الجنة، وينجى به من النار، وحكم بإيمانها كما يحكم بنطق من يقول ذلك.
وهذا قول عامة الفقهاء، قال مالك: إن الأخرس إذا أشار بالطلاق إنه
يلزمه. وقال الشافعي في الرجل يمرض فيختل لسانه، فهو كالأخرس في الرجعة والطلاق. وقال أبو حنيفة: ذلك جائز إذا كانت إشارته تعرف، وإن شك فيها فهي باطل، وليس ذلك بقياس، وإنما هو استحسان.
وقد منع زكريا الكلام بآفة دخلت عليه منعته إياه، وتلك الآفة عدم القدرة على الكلام مع الصحة. أما عن ذكر الله فلا، فقد أمره الله بألا يترك الذكر في نفسه مع اعتقال لسانه. قال محمد بن كعب القرظي: لو رخص لأحد في ترك الذكر، لرخص لزكريا بقول الله عز وجل: أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً، وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً ولرخص للرجل يكون في الحرب بقول الله عز وجل: إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا، وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً [الأنفال ٨/ ٤٥].
وكذلك الصلاة لا تترك لأن معنى قوله: وَسَبِّحْ أي صلّ، سميت الصلاة سبحة، لما فيها من تنزيه الله تعالى عن السوء.
قصة زكريا عليه السلام:
ذكر زكريا في القرآن الكريم ثماني مرات في آل عمران وفي الأنعام وفي مريم وفي الأنبياء. ويظهر أن لزكريا أبي يحيى شركة في خدمة الهيكل، فهو «لاوي» وهو زوج خالة «مريم».
لما رأى زكريا آيات الله الباهرات وإكرامه تعالى لمريم ورزقها من حيث لا تحتسب، فدعا ربه ليرزقه ذرية طيبة مباركة تلي أمور بني إسرائيل لأنه كان يخشى ابتلاءهم بمواليه الذين لم يكونوا متمسكين بالشريعة، فحملت زوجه بيحيى وبشره الله بنبوته، وأعلمه أن آية ذلك أن يعجز عن الكلام مع الناس ثلاثة أيام لا يكلمهم إلا رمزا. وقتل زكريا وابنه يحيى في حادث واحد.
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي