السدي قال:"كذلك الله يفعل ما يشاء"، وقد خلقتك من قبل ولم تكُ شيئًا.
* * *
القول في تأويل قوله: قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه، خبرًا عن زكريا، قال زكريا: ربّ إن كان هذا النداء الذي نُوديتُه، والصوتُ الذي سمعته، صوتَ ملائكتك وبشارةً منك لي، فاجعل لي آية = يقول: علامةً = أن ذلك كذلك، ليزول عنِّي ما قد وسوس إليّ الشيطان فألقاه في قلبي، من أنّ ذلك صوتُ غير الملائكة، وبشارةٌ من عند غيرك، كما:-
٧٠٠٤ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال:"رب اجعل لي آية"، قال: قال - يعني زكريا -: يا ربّ، فإن كان هذا الصوت منكَ، فاجعل لي آيةً.
* * *
وقد دللنا فيما مضى على معنى"الآية"، وأنها العلامة، بما أغنى عن إعادته. (١)
* * *
وقد اختلف أهل العربية في سبب ترك العرب همْزها، ومن شأنها همزُ كل"ياء" جاءت بعد"ألف" ساكنة.
فقال بعضهم: ترك همزها، لأنها كانت"أيَّة"، فثقُل عليهم التشديد، فأبدلوه"ألفًا" لانفتاح ما قبل التشديد كما قالوا:"أيْما فلانٌ فأخزاه الله". (٢)
* * *
وقال آخرون منهم: بل هي"فاعلة" منقوصة.
(٢) "أيما"، بمعنى "أما" مشددة الميم.
فسئلوا فقيل لهم: فما بال العرب تصغرها"أيَيَّة"، ولم يقولوا"أوَيَّة". (١) فقالوا: قيل ذلك، كما قيل في"فاطمة"،"هذه فُطيمة". فقيل لهم: فإنهم إنما يصغرون"فاعلة"، على"فعيلة"، إذا كان اسمًا في معنى فلان وفلانة، فأما في غير ذلك فليس من تصغيرهم"فاعلة" على"فعيلة". (٢)
* * *
وقال آخرون: إنه"فَعْلة" صيرت ياؤها الأولى"ألفا"، كما فعل بـ"حاجة، وقامة".
فقيل لهم: إنما تفعل العرب ذلك في أولاد الثلاثة. (٣)
وقال من أنكر ذلك من قِيلهم: لو كان كما قالوا: لقيل في"نواة" ناية، وفي"حَياة" حَاية. (٤)
* * *
القول في تأويل قوله: قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا
قال أبو جعفر: فعاقبه الله - فيما ذكر لنا - بمسألته الآية، بعد مشافهة الملائكة إياه بالبشارة، فجعل آيته = على تحقيق ما سمع من البشارة من الملائكة
(٢) قائل ذلك، هو الكسائي وأصحابه. وسائلوه: هم الفراء وأصحابه. انظر لسان العرب مادة (أيا).
(٣) أولاد الثلاثة: يعني الاسم الثلاثي.
(٤) انظر تفصيل ما سلف، وبعضه بنصه في لسان العرب ١٨: ٦٦، وهذه الردود كلها للفراء، كما يظهر من نص اللسان، وكأن في نص الطبري بعض الاضطراب، فإن قوله: "فقيل لهم: إنما يفعل العرب ذلك في أولاد الثلاثة"، إنما هو رد على قول من زعم إنها"فاعلة" منقوصة، مثل حاجة وقامة، وأن أصلها حائجة وقائمة. وأخشى أن يكون الناسخ قد أسقط، أو قدم شيئًا، فاضطرب الكلام.
بيحيى أنه من عند الله = (١) آية من نفسه، جمعَ تعالى ذكره بها العلامة التي سألها ربَّه على ما يبيِّن له حقيقة البشارة أنها من عند الله، وتمحيصًا له من هفوته، وخطإ قِيله ومسألته.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٧٠٠٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناسَ ثلاثةَ أيام إلا رمزًا"، إنما عوقب بذلك، لأن الملائكة شافهته مشافهة بذلك، فبشَّرته بيحيى، فسأل الآية بعد كلام الملائكة إياه. فأخِذَ عليه بلسانه، فجعل لا يقدر على الكلام إلا ما أومأ وأشار، فقال الله تعالى ذكره، كما تسمعون:"آيتك ألا تكلم الناس ثلاثةَ أيام إلا رمزًا".
٧٠٠٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"أن الله يبشرك بيحيى مصدِّقًا"، قال: شافهته الملائكة، فقال:"رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا"، يقول: إلا إيماءً، وكانت عقوبةً عُوقب بها، إذ سأل الآيةَ مع مشافهة الملائكة إياه بما بشرته به.
٧٠٠٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه، عن الربيع في قوله:"رب اجعل لي آية، قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة
وسياق هذه العبارة"فجعل آيته... آية من نفسه" وتلك الآية: أنه حبس لسانه فلم يكلم الناس إلا كما أمر، رمزًا.
أيام إلا رمزًا"، قال: ذكر لنا، والله أعلم، أنه عوقب، لأن الملائكة شافهته مشافهة، فبشرته بيحيى، فسأل الآية بعدُ، فأخِذَ بلسانه.
٧٠٠٨ - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: ذكر لنا، والله أعلم، أنه عوقب، لأن الملائكة شافهته فبشرته بيحيى، قالت:"أنّ الله يبشرك بيحيى"، فسأل بعد كلام الملائكة إياه الآية، فأخِذ عليه لسانه، فجعل لا يقدر على الكلام إلا رمزًا - يقول: يومئ إيماءً.
٧٠٠٩ - حدثني أبو عبيد الوَصّابي قال، حدثنا محمد بن حمير قال، حدثنا صفوان بن عمرو، عن جُبير بن نُفير في قوله:"قال رب اجعل لي آيةً قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا"، قال: ربَا لسانه في فيه حتى ملأه، ثم أطلقه الله بعد ثلاثٍ. (١)
* * *
قال أبو جعفر: وإنما اختارت القرأةُ النصبَ في قوله:"ألا تكلم الناس"، لأن معنى الكلام: قال آيتك أن لا تكلمَ الناسَ فيما يستقبلُ ثَلاثة أيام = فكانت"أن" هي التي تصحب الاستقبال، دون التي تصحب الأسماء فتنصبها. ولو كان المعنى فيه: آيتك أنك لا تكلم الناس ثلاثة أيام = أي: أنك على هذه الحال ثلاثة أيام = كان وجه الكلام الرفع. لأن"أن" كانت تكون حينئذ بمعنى
الثقيلة خففت. ولكن لم يكن ذلك جائزًا، لما وصفت من أن ذلك بالمعنى الآخر.
* * *
وأما"الرّمز"، فإنّ الأغلب من معانيه عند العرب: الإيماءُ بالشفتين، وقد يستعمل في الإيماء بالحاجبين والعينين أحيانًا، وذلك غير كثير فيهم. وقد يقال للخفي من الكلام الذي هو مثلُ الهمس بخفض الصّوت:"الرمز"، ومنه قول جُؤيّة بن عائذ: (١)
| وَكَانَ تَكَلُّمُ الأبْطَالِ رَمْزًا | وَهَمْهَمَةً لَهُمْ مِثْلَ الهَدِيرِ (٢) |
خَرَرْتُ مِنْهَا لِقِفَايَ أَرْتَمِزْ (٤)
* * *
وقد اختلف أهل التأويل في المعنى الذي عنى الله عز وجل به في إخباره عن زكريا من قوله:"آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا"، وأيّ معاني"الرمز" عني بذلك؟
فقال بعضهم: عني بذلك: آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا تحريكًا بالشفتين، من غير أن ترمز بلسانك الكلام.
ذكر من قال ذلك:
وهو جؤبة بن عائذ النصري، فيما روى ابن السكيت في تهذيب الألفاظ: ١٢٥. أما الآمدي في المؤتلف والمختلف: ٨٣، فقد سماه: "عائذ بن جؤية بن أسيد بن جرار بن عبد بن عاثرة بن يربوع بن واثلة بن دهمان بن نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن"، وذكره أيضًا البغدادي في الخزانة ١: ٤٧٦. والعجب لبعض من يعلق على تفسير الطبري أن يزعم كالقاطع الجازم أنه"جؤية بن عائذ الكوفي النحوي"!!
(٢) لم أجد البيت فيما بين يدي من الكتب، ولكني أذكره. وكان في المطبوعة: "وكان يكلم" والصواب ما أثبت.
(٣) لم أعرف هذا الراجز.
(٤) اللسان (رمز).
٧٠١٠ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح، عن النضر بن عربي، عن مجاهد في قوله:"إلا رمزًا"، قال: تحريك الشفتين.
٧٠١١ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ثلاثة أيام إلا رمزًا"، قال: إيماؤه بشفتيه.
٧٠١٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
* * *
وقال آخرون: بل عنى الله بذلك: الإيماء والإشارة.
ذكر من قال ذلك:
٧٠١٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك:"إلا رمزًا"، قال: الإشارة.
٧٠١٤ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"إلا رمزًا"، قال: الرمز أن يشير بيده أو رأسه، ولا يتكلم.
٧٠١٥ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"إلا رمزًا"، قال: الرمزُ: أنْ أخِذ بلسانه، فجعل يكلم الناس بيده.
٧٠١٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"إلا رمزًا"، قال: والرمز الإشارة.
٧٠١٧- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا"، الآية، قال:
جعل آيته أن لا يكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا، إلا أنه يذكر الله. والرّمز: الإشارة، يشير إليهم.
٧٠١٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة:"إلا رمزًا"، إلا إيماءً.
٧٠١٩ - حدثنا عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.
٧٠٢٠ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"إلا رمزًا"، يقول: إشارة.
٧٠٢١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال عبد الله بن كثير:"إلا رمزًا"، إلا إشارة.
٧٠٢٢ - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قوله:"قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا"، قال: أمسكَ بلسانه، فجعل يومئ بيده إلى قومه: أنْ سبِّحوا بُكرة وعشيًّا.
* * *
القول في تأويل قوله: وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإبْكَارِ (٤١)
قال أبو جعفر: يعني بذلك: قال الله جل ثناؤه لزكريا: يا زكريا،"آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا"، بغير خرس ولا عاهة ولا مرض، ="واذكر ربك كثيرًا"، فإنك لا تمنع ذكرَه، ولا يحالُ بينك وبين تسبيحه وغير ذلك من ذكره، (١) وقد:-
٧٠٢٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب قال: لو كان الله رخص لأحد في ترك الذكر، لرخَّص لزكريا حيث قال:"آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا واذكر ربك كثيرًا"، أيضًا.
* * *
وأما قوله:"وسبح بالعشي"، فإنه يعني: عَظِّم ربك بعبادته بالعشي.
* * *
و"العَشيّ" من حين تزُول الشمس إلى أن تغيب، كما قال الشاعر: (١)
| فَلا الظِّلَّ مِنْ بَرْدِ الضُّحَى تَسْتَطِيعَهُ، | وَلا الفَيْءَ مِنْ بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ (٢) |
* * *
(٢) ديوانه: ٤٠، وهو من قصيدته الجيدة التي قالها، لما تقدم عمر بن الخطاب إلى الشعراء، أن لا يشبب أحد بامرأة إلا جلده، فخرج من عقوبة عمر بأن ذكر"سرحة" وسماها"سرحة مالك" فشكا أهلها إلى عمر، فقال لهم:
| تجرَّمَ أهْلُوهَا، لأَنْ كُنْتُ مُشْعَرًا | جُنُونًا بها!! يا طُولَ هذَا التَجَرُّمِ! |
| بَلَى، فاسلِمي، ثُمَّ اسْلَمِي، ثُمَّتَ اسلمي، | ثَلاَثَ تَحِيَّاتٍ، وإن لم تَكَلَّمي |
| فَيَا طِيبَ رَيَّاهَا، وَيَا بَرْدَ ظِلِّهَا | إذَا حَانَ من حَامي النّهارِ وُدُوقُ |
| وهَلْ أنا إنْ عَلَّلْتُ نَفْسِي بِسَرْحةٍ | من السَّرْحِ، مَسدُودٌ عَلَيَّ طريقُ |
| حَمَى ظِلَّهَا شَكْسُ الخَلِيقَةِ، خَائِفٌ | عَلَيْهَا غَرَامَ الطَّائِفينَ، شَفِيقُ |
| فَلاَ الظِلَّ مِنْهَا بالضُّحَى تَسْتَطِيعُه | وَلاَ الفَيْءَ مِنْهَا بالعَشِيّ تَذُوقُ |
وأما"الإبكار" فإنه مصدر من قول القائل:"أبكر فلان في حاجة فهو يُبْكِر إبكارًا"، وذلك إذا خرج فيها من بين مطلع الفجر إلى وقت الضُّحى، فذلك"إبكار". يقال فيه:"أبكر فلان" و"بكر يَبكُر بُكورًا". فمن"الإبكار"، قول عمر بن أبي ربيعة:
أَمِنْ آلِ نُعَمٍ أَنْتَ غَادٍ فَمُبْكِرُ (١)
ومن"البكور" قول جرير:
| أَلا بَكَرَتْ سَلْمَى فَجَدَّ بُكُورُهَا | وَشَقَّ العَصَا بَعْدَ اجْتِمَاعٍ أَمِيرُهَا (٢) |
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٧٠٢٤ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"وسبِّح بالعشيّ والإبكار"، قال:
(٢) ديوانه: ٢٩٣، والنقائض: ٧، يجيب حكيم بن معية الربعي، وكان هجا جريرًا. قال أبو عبيدة: "شق العصا: التفرق، ومن هذا يقال للرجل المخالف للجماعة: قد شق العصا. وأميرها: الذي تؤامره، زوجها أو أبوها".
(٣) هذا نص خلت منه كتب اللغة، وحفظه أبو جعفر. وهو صواب، فإنهم قالوا: "البكيرة والباكورة والبكور" من النخل: التي تدرك في أول النخل، فذكروا الصفات، وتركوا الفعل. فهي زيادة ينبغي تقييدها.
جامع البيان في تأويل آي القرآن
أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري
أحمد شاكر