إبراهيم.
وفي هذا بيان أنَّ (١) الأَوْلَى بالإنسان: المُوافق له في دينه، دون ولده، ومن يرجع إليه في نسبه، ممن يخالفه في مذهبه، ولا يُعتَدُّ (٢) بالولادة أو نحوها من القرابة في عقد الولاية.
وقوله تعالى: وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ. ذكرنا ما فيه عند قوله: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا (٣) الآية (٤).
٦٩ - قوله تعالى: وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. أي: تَمَنَّت (٥). وذكرنا الكلام فيه عند قوله: يَوَدُّ أَحَدُهُم (٦) الآية (٧).
طَائِفَةٌ؛ الطائفةُ، معناها في اللغة: القطعة من كل شيء. يقال: (طائفةٌ من الناس)، (وطائفة من الليل) (٨).
(٢) في (ج) (د): (لئلا يعتبر).
(٣) سورة البقرة: ٢٥٧. ... يخرجهم من...
(٤) (الآية): ساقطة من (د).
(٥) انظر: "تفسير الطبري" ٦/ ٥٠٠، "مفردات ألفاظ القرآن" ٨٦٠ (ودد).
(٦) سورة البقرة: ٩٦. وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ.
(٧) (الآية): ساقطة من: (ج)، (د).
(٨) انظر (مادة: طوف) في "تهذيب اللغة" ٣/ ٢١٥٤، "اللسان" ٥/ ٢٧٢٢. قال الراغب: (والطائفة من الناس: جماعة منهم، ومن الشيء: القطعة منه.. وقال بعضهم: قد يقع ذلك على واحدٍ فصاعدا). "مفردات ألفاظ القرآن" ٥٣٢ (طوف). وبيَّن ابن فارس (أن كل جماعة يمكن أن تحفَّ بشيء فهي عندهم طائفة. ولا يكاد هذا يكون إلا في اليسير ثم يتوسعون في ذلك من طريق المجاز، فيقولون: أخذتُ=
قال بعض أهل اللغة: الطائفة: الفِرْقَة؛ سُمِّيَت بها لتصرفها في الإقبال والإدبار؛ كأنها تطوف (١)؛ كقولهم: (الإنسان (٢)، دَيُّور وديَّار)؛ لكثرة دورانه (٣).
وقوله تعالى: لَوْ يُضِلُّونَكُمْ. ولم يقل: أنْ يُضِلُّونكم، لأن (لو) (٤) أوفق مع التمني (٥)، فإنَّ (٦) قولك: (لو كان كذا)، تَمَنٍّ [منك] (٧) تمنيته (٨) لِكَوْنِه (٩). ومثله: قوله: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ [البقرة: ٩٦]، وقد مرَّ.
(١) لم أقف على من قال بهذا القول، ولكن معناه صحيح، قال ابن فارس: (الطاء والواو والفاء، أصلٌ واحدٌ صحيح، يدل على دوران الشيء على الشيء وأن يحفَّ به) ثم قال: (فأما الطائفة من الناس، فكأنها جماعة تطيف بالواحد أو بالشيء). "المقاييس" ٣/ ٤٣٢ (طرف).
(٢) في (ج)، (د): (للإنسان).
(٣) في (ب): (مداراته). وفي "اللسان" (.. وما بالدَّار دُوريٌّ ولا ديَّار، ولا دَيُّورٌ على إبدال الواو من الياء، أي: ما بها أحدٌ، لا يُستعمل إلا في النفي، وجمع الدَّيَّار، والدَّيُّور لو كُسِّرَ: دواويرُ) ٣/ ١٤٥٠ (دور). وانظر: "الزاهر" ١/ ٣٦٦، "الصحاح" ٢/ ٦٦٠ (دور). ومنه قوله تعالى: وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا [سورة نوح: ٢٦]. وانظر: "تفسير أبي السعود" ٩/ ٤١.
(٤) في (ج): (أو).
(٥) في (ج): (المتمني).
(٦) في (ب): (وإن).
(٧) ما بين المعقوفين: زيادة من: (ج)، (د).
(٨) (تمنيته): ساقطة من: (ج)، (د).
(٩) انظر: "رصف المباني" ٣٦٠، "الجنى الداني" ٢٨٨.
والإضلال (١) في كلام العرب ضد الهداية والإرشاد. يقال: (أضللتُ فلانا): إذا وجَّهته للضلال عن الطريق فلم ترشده.
نزلت هذه الآية في نَفَرٍ من اليهود. قال ابن عباس (٢): هم قُرَيظَة والنَّضير وبنو قَيْنُقاع؛ أرادوا أن يَسْتَنزِلوا (٣) المسلمين عن دينهم ويردوهم إلى الكفر (٤).
وقال الطبري: (والإضلال في هذا الموضع: الإهلاك)، ولم يختلف المعنى؛ لأن الإهلاك من نتائج الإضلال ولوازمه. وقد بيَّن الطبري نفسه هذا الأمر فقال في نفس الصفحة: (.. لو يصدُّونكم أيها المؤمنون عن الإسلام، ويصدونكم عنه إلى ما هم عليه من الكفر، فيهلونكم بذلك). "تفسيره" ٣/ ٣٠٤.
ولذا قال ابن عطية عن تفسير الطبري لهذه اللفظة بـ (الهلاك): (وهذا تفسير غير خاص باللفظة، وإنما اطَّرد له؛ لأن هذا الضلال في الآية اقترن به الهلاك، وأما أن تفسر لفظة الضلال بالهلاك فغير قويم). "المحرر الوجيز" ٣/ ١٦٣.
(٢) لم أقف على مصدر هذه الرواية عنه.
وقد أورد ابن الجوزي في "زاد المسير" ١/ ٤٠٤، وأبو حيان في "البحر المحيط" ١/ ٤٨٨ عن ابن عباس أنَّ المقصود بالطائفة هم اليهود حين دعوا معاذ بن جبل، وعمار بن ياسر إلى دينهم.
(٣) في (د): (يستزلوا).
(٤) قيل: إن المقصود بـ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ: هم النصارى، وبه قال سفيان بن عيينة، فقد ورد عنه قوله: (كل شيء في آل عمران من ذكر أهل الكتاب، فهو في النصارى).
أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" ٢/ ٦٧١، وأورده السيوطي في " الدر" ٢/ ٢٣٩، وزاد في نسبته إلى ابن المنذر.
ودفع هذا القول الشوكاني في "الفتح" ١/ ٣٥٢، وقال: (ويدفع هذا أن كثيرًا من خطابات أهل الكتاب المذكورة في هذه السورة، لا يصح حملها على النصارى =
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي