نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٧٩:الآية الحادية عشرة : قوله تعالى : مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللهِ، ولَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ. وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ .
فيها ست مسائل :
المسألة الأولى : في سبب نزولها :
قيل : إنها نزلت في نصارى نَجْران، وكذلك رُوي أنّ السورة كلها إلى قوله : وإذ غَدَوْتَ من أهلك كان سبب نزولها نصارى نَجْران، ولكن مُزِجَ معهم اليهود ؛ لأنهم فَعَلُوا من الْجَحْد والعناد مثل فِعْلهم.
المسألة الثانية : في قوله تعالى : رَبَّانِيِّينَ :
وهو منسوب إلى الربّ، وقد بيّنا تفاصيلَ معنى اسم الرب في الأمد الأقصى، وهو هاهنا عبارة عن الذي يُرَبِّي الناسَ بصغار العلم قبل كباره، وكأنه يقتدي بالرب سبحانه وتعالى في تيسير الأمور المجملة في العَبْد على مقدار بَدَنِه من غذاءٍ وبلاء.
المسألة الثالثة : قوله تعالى : بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ .
المعنى : وإنَّ عِلْمَهم بالكتاب، ودَرْسَهم له يوجِبُ ذلك عليهم ؛ لأنَّ هذا من المعاني التي شُرِحت فيه لهم.
المسألة الرابعة : قوله تعالى : وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً .
المعنى : ولا آمرُ الْخَلْقَ أنْ يتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً يعبدونهم ؛ لأنَّ اللهَ سبحانه لا يأمر بالكُفْر مَنْ أسلم فعلاً، ولا يأمر بالكُفْر ابتداء ؛ لأنه محال عقلاً، فلما لم يتقدر ولا تصوّر لم يتعلق به أمر.
المسألة الخامسة : حرَّم الله تعالى على الأنبياء أنْ يتخذوا الناسَ عباداً يتألّهون لهم، ولكن ألزمَ الْخَلْقَ طاعتهم.
وقد ثبت عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال :«لا يقولنَّ أحدكم عبدي وأمَتي، وليقُلْ فَتاي وفتَاتي، ولا يَقُلْ أحدكم رَبّي وليقل سيِّدي ».
وقد قال الله تعالى - مُخْبراً عن يوسف : اذْكُرْني عند ربك [ يوسف : ٤٢ ]. وقال : والصالحين مِنْ عبادِكم وإمائِكم [ النور : ٣٢ ]. وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم :«مَنْ أعتق شِرْكاً له في عَبْدٍ.... » فتعارضت.
فلو تحققنا التاريخ لكان الآخر رافعاً للأول أو مبيِّناً له على اختلاف الناس في النسخ. وإذا جهلنا التاريخ وجب النظرُ في دلالة الترجيح.
وقد مهَّدْنا ذلك في شَرْح الحديث بما الكافي منه الآن لكم ترجيحُ الجواز ؛ لأنّ النهي إنما كان لتخليص الاعتقاد مِن أنْ يعتقد لغير الله عبوديةً أو في سواه ربوبيةً، فلما حصلت العقائدُ كان الجواز.
المسألة السادسة : قوله تعالى : بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ
قرأ ابنُ عامر وأهلُ الكوفة بضم التاء، وكأنّ معناه لا تتخذوهم عباداً بحقّ تعليمكم، فإنه فَرْضٌ عليكم أو إشراك في نيَّتكم، أو استعجال لأجركم، أو تبديل لأمْرِ الآخرة بأمر الدنيا ؛ واختاره الطبري على قراءة فتح التاء.
قال شيخنا أبو عبدالله العربي : كذلك يقتضي صفةَ العلم وقراءته ؛ لأنَّ العلم إنما هو للتعليم لتحريم كِتْمانِ العلم، والأمر في ذلك قريبٌ ؛ وليس هذا موضع تحريره.
أحكام القرآن
ابن العربي