ﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙ

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ ( ١ ) أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( ٧٨ ) مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ( ٢ ) بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ( ٧٩ ) وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ( ٨٠ ) [ ٧٨ ـ ٨٠ ].

في هذه الآيات :

١ ـ إشارة تنديدية إلى فريق من أهل الكتاب يلوون ألسنتهم بأقوال يزعمون أنها من كتاب الله أو يحرفون كتاب الله كتابة أو تلاوة أو تأويلا ليوهموا المسلمين أن ذلك من كتاب الله وليس هو من كتابه ويفترون على الله وهم يعلمون أنهم كاذبون.
٢ ـ وتقرير بأنه لا يمكن أن يقول شخص ملخص أتاه الله الكتاب والحكمة والنبوة للناس اعبدوني بدلا من الله تعالى أو اتخذوا الملائكة والنبيين أربابا بدلا من الله ؛ لأنه بذلك يكون قد أمرهم بالكفر بعد أن يكون دعاهم إلى الإسلام فأسلموا. وكل ما يمكن أن يقوله للناس كونوا ربانيين أي مخلصين لله وعبادته. هداة إليه بما تقرؤون وتعلمون وتتدارسون من كتبه.
تعليق على الآية
وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ... إلخ
والآيتين التاليتين لها
وقد روى المفسرون١ في مناسبة الآيات روايات عديدة. منها أن بعض وفد نجران سأل النبي عما إذا كان يريد أن يعبدون. ومنها أن هذا السؤال كان من بعض وفد نجران ومن بعض يهود المدينة. ومنها أن بعض المسلمين سألوا النبي عما إذا كان يحسن أن يسجدوا له زيادة في تكريمه. ومنها أن المقصد من البشر الذي تنفي عنه الآيتان الثانية والثالثة أمر الناس بأن يكونوا عبادا له أو بأن يتخذوا الملائكة والنبيين أربابا هو عيسى. ومنها أنه هو محمد صلوات الله عليهما. ومنها أنها ردّ على تأويل أهل الكتاب بعض عبارات كتبهم تأويلا يخرجها عن مداها ويجعلها تبرر اعتبار المسيح والعزير أبناء الله أو آلهة وتعظيم الملائكة تعظيما يسبغ عليهم ما ليس لهم من النفع والضر المباشرين٢. وليس شيء من هذه الروايات واردا في الصحاح.
والمفسرون يقولون : إن الفريق المذكور في الآية الأولى هم اليهود. وهذا صحيح. وقد حكت الآيات [ ٧٨ ـ ٧٩ ] من سلسلة آيات سورة البقرة عن اليهود ما حكته هذه الآية.
والذي يتبادر لنا أن الآيات متصلة بسابقاتها. ولقد نددت هذه السابقات ببعض صفات اليهود فجاءت الآية الأولى تندد بصفات أخرى من صفاتهم وهي تحريف كتب الله ونسبة المحرّف إلى الله كذبا وإلقاؤه بأسلوب من ليّ اللسان ليوهموا المسلمين بأنه من كتاب الله. ويظهر أن من التحريف الذي حرفوه ما فيه تحميل لكلام بعض الأنبياء معنى لا يحتمله وأن في هذا المعنى تبريرا لعقيدة شركية أو لعقيدة تأثير الأنبياء والملائكة تأثيرا يجعلهم بمثابة شركاء لله ويبرر تعظيمهم على هذا الأساس فاحتوت الآيتان الثانية والثالثة رداّ عليهم تبرئة للأنبياء من مثل ذلك، وتقريرا لما يمكن أن يصدر عنهم من قول أو أمر أو دعوة.
وهذا الشرح لا يمنع أن يكون الرد قد احتوى تزييف عقيدة اليهود ببنوة العزير لله وعقيدة النصارى ببنوة المسيح أو ألوهيته وعقيدة تأثير الملائكة واتخاذهم أربابا مع ذلك بسبب ذلك والتماس جلب النفع ودفع الضرر عنهم. ونفي ارتكاز أي شيء من هذا إلى أساس صحيح من الكتب السماوية أو إلى عقل ومنطق، وعدم اتساقه مع إخلاص الأنبياء والملائكة لله تعالى واعتبارهم أنفسهم عبيدا له. وقد يتوافق هذا مع الرواية الأخيرة، وإن كان ذلك يقتضي أن تكون الآيات الثلاث وحدة منفصلة عن سابقاتها. على أن من المحتمل أن تكون الآيتان الثانية والثالثة قد جاءتا بمثابة الاستطراد إلى ذكر بعض آثار التحريف الذي حرفه أهل الكتاب لكتب الله نصا أو تأويلا.
وأسلوب الآيات قوي ومفحم وحاسم، سواء أفي تقريره تحريف اليهود لكتب الله تلاوة وكتابة وتأويلا أم في نفي ارتكاز أي شيء من أقوالهم ودعاويهم وعقائدهم التي فيها انحراف عن عبادة الله وحده وإشراك أحد ما في ذلك بأي شكل من ملك أو نبي على أي أساس صحيح من كتب الله وتقرير كون ذلك من تحريفهم وسوء تأويلهم. وفيها في الوقت نفسه صورة من صور واقع اليهود من ذلك في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم وعصره وحياته.


التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير