ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا
المعنى الجملي
بعد أن بين سبحانه فيما سلف افتراء اليهود على الله الكذب ونسبتهم إليه ما لم يقله أردف ذلك بذكر افترائهم على الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين.
أخرج ابن إسحاق وغيره عن ابن عباس قال : قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعاهم إلى الإسلام : أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم ؟ وقال رجل نصراني من أهل نجران : أو ذاك تريد ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : معاذ الله أن نعبد غير الله أو نأمر بعبادة غيره، ما بذلك بعثني الله ولا بذلك أمرني فأنزل الله الآية.
وأخرج عبد الرزاق عن الحسن قال : بلغني " أن رجلا قال يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض، أفلا نسجد لك ؟ قال لا، ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله فإنه لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله تعالى فأنزل الله ما كان لبشر الآيتين "
الإيضاح :
أي ما كان لبشر أن يستنبئه الله ثم يأمر الناس بعبادة نفسه، ويأمر باتخاذ الملائكة والنبيين أربابا، ومثال ذلك أن تقول : ما كان لمحمد أن أكرمه، ثم يهينني ويستخف بي، وقد نقل عن مشركي العرب عبادة الملائكة وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله فجاء الإسلام فبين أن هذا مخالف لما جاء به الأنبياء من الأمر بعبادة الله وحده، وإخلاص الدين له والنهي عن عبادة غيره، ومن ثم قال :
أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ؟ أي أيأمركم بعبادة الملائكة والسجود للأنبياء بعد توحيدهم لله والإخلاص له، إذ لو فعل ذلك لكفر، ونزعت منه النبوة والإيمان، ومن آتاه الله الكتاب والحكم والنبوة يكون أعلم الناس بالله، فإن الله لا يؤتي وحيه إلا نفوسا طاهرة، وأرواحا طيبة، فلا تجتمع نبوة ودعاء إلى عبادة غير الله.
وأثر عن علي كرم الله وجهه أنه قال : قصم ظهري رجلان : عالم متهتك، وجاهل متنسك، لأن العالم ينفر الناس عن العلم بتهتكه، والجاهل يرغب الناس في الجهل بتنسكه..
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( نعوذ بالله من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع ).
تفسير المراغي
المراغي